Friday, 26 August 2022

{الفكر القومي العربي} معركةُ وحدة الساحات في ميزان الكسب والخسارة

معركةُ وحدة الساحات في ميزان الكسب والخسارة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تختلف معركة "وحدة الساحات" التي أطلق عليها العدو الصهيوني اسم "الفجر الصادق"، أو "بزوغ الفجر"، عن أي معركةٍ أو حربٍ أخرى شنها على قطاع غزة وقوى المقاومة الفلسطينية، فهي الحرب الأقصر زمنياً، إذ استغرق العدوان قرابة خمسة وخمسين ساعة لا أكثر، واستهدف العدو فئةً فلسطينية واحدةً، إذ قصر عدوانه على حركة الجهاد الإسلامي، واستهدف قيادته العسكرية ومنصاته الصاروخية، وخرج المدنيون الفلسطينيون "نسبياً" من دائرة الاستهداف، إذ لم يتعرضوا لغاراتٍ عنيفةٍ شاملةٍ كتلك التي اعتادوا عليها في الحروب السابقة، ولم تستهدف المباني السكنية والأبراج العالية، رغم أن العدو لاحق الشهيد خالد منصور داخل التجمعات السكنية المكتظة بالمدنيين.

 

بعد أن انتهت معركة "وحدة الساحات" وانطفأت محركات الطائرات المغيرة، وتوقفت أعمال القصف والتدمير، وجرائم القتل والاغتيال، وانتهت حالة الاستنفار العامة على جانبي السلك الزائل، وانكشف غبار المعركة عن نتائج متباينة، وأعدادٍ واحصائيات مختلفةٍ، أصبح من الممكن للمراقبين والمحللين، وأصحاب الشأن والمسؤولين، أن يحللوا الأحداث كلها بقلبٍ باردٍ وذهنٍ صافٍ، بعيداً عن ضغط العدوان وأصوات الغارات، وأعداد الشهداء والجرحى والمصابين، في ظل أجواءٍ من الأمن النسبي والاطمئنان الحذر.

 

رغم أنه من الصعب جداً في مقالٍ واحدٍ قصيرٍ، وقراءةٍ أحاديةٍ قاصرةٍ، وفي ظل غياب المعلومات الدقيقة والشفافية المطلوبة، إجراء مراجعة نقدية علمية جادة ومسؤولة تطال مختلف جوانب العدوان، وتحيط شمولاً بآثاره النفسية ونتائجه المادية، وتداعياته الاقتصادية وانعكاساته على المقاومة العسكرية، وعلى البنية الوطنية الداخلية، وما أحدثته من تصدعاتٍ وشروخٍ لا يمكننا إهمالها أو التقليل منها، رغم محاولات ترميمها وتجاوزها، والإفادة منها ومحاولة تجنبها.

 

إلا أنني سأحاول في ست نقاطٍ لا أكثر، وكلماتٍ محدودةٍ معدودةٍ، افترضها كعناوين ومفاتيح بحثٍ، واستنتاجاتٍ وقراءاتٍ سريعةٍ، أن أضع تقديراً عاماً لنتائج المعركة، علماً أن كل عنوانٍ مما سأذكر ليس مطلقاً ولا مغلقاً، ويلزمه حوار وإعادة دراسةٍ وتقييم، وقد يكون محل خلافٍ وموضع انتقادٍ، إذ قد لا يقبل بما خلصت به الجميع، خاصةَ من الحزبيين الموالين، المتعصبين للتنظيم والمخلصين للانتماء، ممن يرفضون المعارضة ويرهبون النقد، ويرون فعلهم هو الأصوب وقرارهم هو الأدق والأكثر حكمةً ومنطقيةً، إلا أنني أرى أن ذلك تعصب أعمى وتبعية تضر ولا تنفع، فالحق أولى بالاتباع أياً كان قائله، والصواب أجدر بالتبني أياً كان مصدره.

 

أرى أن حركة الجهاد الإسلامي قد كسبت، وأن حركة حماس قد تضررت وتأذت، وأن المقاومة قد استعلت واطمأنت، وتعززت وتعمقت، وأن العدو بشخص رئيس حكومته يائير لابيد قد كسب نسبياً، وأن مستوطنيه قد قلقوا كثيراً، وأن جمهور المقاومة وحلفاءها قد صدموا وحزنوا، وقلقوا وخافوا، وأن الشعب قد نجا وتجنب الدمار الذي اعتاد عليه وكان يتوقعه ويتحسب منه.

 

لا أريد هنا الخوض في نقاش وتحليل العناوين الستة التي ذكرتها أعلاه، علماً أنني أظلم البحث العلمي باختصارها المخل، وتقييدها المستفز، لكنني أرى أنها خلاصة التقييم وقراءة النتائج، وهي شاملة رغم اختصارها، ودقيقة رغم عمومها، ولعلني أستطيع إعادة طرحها مفصلة، وبيان وجهة نظري في كل منها، وتعزيزها بما لدي من معلومات وآراء، مع التأكيد أنني لا أتمسك برأيي إن وجدت ما يفنده، ولا أصر على موقفي إن رأيت أن غيره أصوب منه وأدق.

 

ستبقى هذه المعركة مختلفة عن سابقاتها، وإن كان قد جرى مثلها في العام 2019، إثر جريمة اغتيال الشهيد بهاء أبو العطا، إلا أنها تتميز عنها وتختلف، وتفرض نفسها كحالة جديدة وتجربة فريدة، تفرض على جميع الفرقاء التوقف عندها طويلاً، والاستفادة منها للبناء على ايجابياتها وتجنب سلبياتها.

 

وهي بلا شك قد أوجعت العدو وأقلقته، وستدفعه يقيناً إلى مراجعة حساباته وتغيير مخططاته، وربما التخلي عن الكثير من أحلامه، علماً أننا نحن الفلسطينيين قد بتنا بعد هذه المعركة وقبلها، نراكم القوة، ونزداد خبرة، ونجدد أسلحتنا، ونشحذ هممنا، ونؤمن بعزمنا، ونثق بقدراتنا، ونعتقد أن نصر الله عز وجل قادمٌ، وأن وعده لنا آتٍ، ولا محالة أنه سيتحقق وهذه بوادره، وأن الكيان الغاصب سيتفكك ويزول وهذه دلائله.

 

بيروت في 26/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjYikJnnsOm-aktwqUhTLYV-M4nG88uHgfqT0QjEN9M7w%40mail.gmail.com.

Saturday, 20 August 2022

{الفكر القومي العربي} حربٌ إسرائيليةٌ مفتوحةٌ على القدس الضفة الغربية

حربٌ إسرائيليةٌ مفتوحةٌ على القدس الضفة الغربية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ما تتعرض له مدن وأحياء القدس والضفة الغربية يومياً وعلى مدى الساعة، هي حربٌ مفتوحةٌ سافرةٌ، وعدوانٌ مقيتٌ حاقدٌ، ومعارك قاسيةٌ مؤلمةٌ، متنقلة ومستمرة، وعميقة وشاملة، يستخدم فيها العدو الإسرائيلي مختلف الوسائل والسبل في عدوانه عليها أرضاً وسكاناً، وقدساً ومقدساتٍ، وخيراتٍ ومياه، ومعامل ومزارع، ومساكن ومباني، وحياة وحريات، ومدارس وجامعاتٍ، ومقابر ومستشفياتٍ وغيرها.

 

فلا يكاد يمر يومٌ دون أن يمارس الاحتلال الإسرائيلي ضد أهلنا في القدس والضفة الغربية، أعمال القمع والبطش والإرهاب، والقتل والاعتقال والتجويع والحصار، والمداهمة والتغلغل والاجتياح، وقد لا يكون مضطراً للقيام بكل هذه الأعمال المشينة، إذ لا تكون الظروف الأمنية تستدعي حملاته المسعورة، ورغم ذلك فإنه يقوم بها ويبالغ فيها، ويصر عليها ويكررها، ويصنف ما يقوم به من أعمالٍ قمعية وممارساتٍ وحشية، بأنها أنشطة اعتيادية لجيشه، ومهام يومية ينبغي عليه القيام بها، صوناً للأمن، وحمايةً للمستوطنين، ومداهمةً "للمخربين"، وإحباطاً لعملياتٍ "عدوانية" محتملة.

 

باتت العربات العسكرية الإسرائيلية، والوحدات الأمنية الخاصة، وفرق المستعربين الكثيرة، والكلاب الضارية المدربة، تشاهد يومياً في مختلف أرجاء الضفة الغربية، تجتاح مدنها، وتداهم بلداتها، وتقتحم مخيماتها، وتعتقل أبناءها، وتشتبك مع أهلها، وتحدث خراباً كبيراً أثناء دخولها وخلال انسحابها، وتطلق النار عشوائياً بذريعة حماية عناصرها والدفاع عن قواتها، ولا تتردد في إطلاق النار على عناصر الشرطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، في حال الاشتباه بها أو عرقلتها مهمتها، رغم التنسيق الأمني المسبق معها.

 

وفي الأثناء لا تتوقف الجرافات الإسرائيلية عن تجريف الأراضي الفلسطينية وخلع أشجارها وإتلاف محاصيلها، وطرد أهلها وسكانها منها ومصادرتها منهم، تنفيذاً لقراراتٍ حكومية ببناء مستوطناتٍ جديدةٍ أو توسيع القديم منها، أو استجابةً ومساندةً لمحاولات غلاة المستوطنين وقادة اليمين المتشددين، بحماية بؤرهم الاستيطانية وتشريعها، ومساعدتهم في تثبيتها وتحصينها، كتلك التي يقوم بها فتية التلال ومجموعات المتطرفين من الشبان، الذين يخرجون كل ليلةٍ للاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وكأنهم يخرجون في عمليات صيدٍ مشروعة، وأعمال مدنية مسموحة، علماً أن جيش الاحتلال يراقبهم من بعيد، ويتابع أعمالهم عن كثب، ولا يتدخل لمنعهم أو إخراجهم من أراضي الفلسطينيين بالقوة، بل يتدخل فقط لحمايتهم والدفاع عنهم، عندما يرى أنهم يتعرضون للخطر، وأن السكان الفلسطينيين يحاولون الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، وحماية أرضهم وأشجارهم.

 

يشعر أهلنا في القدس والضفة الغربية أنهم مستهدفون عمداً، وأن الاحتلال يريد اقتلاعهم من أرضهم وإخراجهم منها بالقوة، ويتطلع إلى تشتيتهم وتفريقهم، وتمزيق أرضهم وبعثرة سكانهم، تحقيقاً لأحلامهم القديمة وأهدافهم الكثيرة، بالسيطرة الكاملة، والسيادة الكلية على "يهودا والسامرة" الضفة الغربية، إلى جانب كامل مدينة القدس وأحيائها العربية، وتحقيق مبدأ "أرضٌ أكثر وشعبٌ أقل"، وهو ما بات يخشاه حقاً نتيجة التزايد السكاني الفلسطيني، وتغير العقيدة الوطنية الفلسطينية، التي ترفض سياسات التهجير والترحيل، وتصر على التمسك بالأرض والعيش في الوطن، ولو في العراء تحت ظل السماء، أو في خيام تدق أوتادها في عمق أرض الوطن.

 

يبدو أن أهلنا في الضفة الغربية الذين باتوا يدركون المخططات الصهيونية، ومشاريع الاحتلال التوسعية، قد قرروا المواجهة، وأصروا على التحدي، فلا يفل الحديد إلا الحديد، ولا تُحَدُ السلطة إلا بالسلطة، ولا سلطة أقوى وأجدى وأعلى من المقاومة، ولذا فقد نشط المقاومون، وتعددت عملياتهم وتنقلت من مكانٍ إلى آخر داخل القدس ومدن الضفة الغربية، في رسالةٍ واضحةٍ وصريحةٍ، أن هذا الشعب لا يتخلى عن وطنه، ولا يتنازل عن حقه، ولا يستسلم للقوة، ولا يخضع للبطش، وأنه مصرٌ على التمسك بأرضه والدفاع عنها والاستشهاد في سبيلها، وقد رأى العدو من أهلنا ما يسيئه ويغيظه، وما يقلقه ويزعجه، ولعل عمليات المقاومة تتعاظم وتتزايد، وتتنافس فصائلها ويبدع أبناؤها، وتتعدد أشكالها.

 

أما الجانب الأهم والأكثر تطوراً في الوعي الجمعي الفلسطيني، فهو ما عمدت إليه المقاومة الفلسطينية، والتي سعت إلى إرسائه بالقوة، وفرضه بالسلاح، والتضحية من أجل تثبيته بالدم، والتمسك به مهما كانت الصعاب والعقبات، وهو "وحدة الساحات"، و"تضامن الجبهات"، وهو الاسم الذي اختارته حركة الجهاد الإسلامي اسماً لمعركتها الأخيرة مع العدو الصهيوني خلال عدوانه على قطاع غزة، ولعلها نجحت في التلويح به والإصرار عليه، وهو يلقى القبول والاستحسان لدى الشعب الفلسطيني كله في الوطن والشتات، وقد تمنوه قديماً وعابوا كثيراً غيابه.

 

ربما قد آن الأوان لفرض هذه المعادلة بقوة، وإرغام العدو على احترامها وعدم خرقها، فلا استفراد بأي منطقة فلسطينية، ولا استهداف لأي فريقٍ فلسطيني، ولا خذلان عن النصر، ولا تأخر عن المساندة، ولا سماح للعدو أبداً بالاعتداء على القدس أو المسجد الأقصى دون رد، ولا صمت عن اجتياحاته المتكررة لمخيماتنا ومدننا، وعدوانه على مقاماتنا ومقابرنا، وأرضنا وممتلكاتنا، دون ردٍ موجعٍ، وتضامنٍ عملي، وتهديدٍ فعلي.

 

وحدة الساحات، وتضامن الجبهات، عنوان عريضٌ ومعنى شامل، فلا يقتصر على فلسطين المحتلة وحدها، وإنما بعد أن تضامن الفلسطينيون مع بعضهم، واتحدت جبهاتهم في القدس وغزة والضفة والأرض المحتلة عام 1948، فقد بات لزاماً على كل أهل أرضٍ عربيةٍ محتلةٍ، وعلى كل مقاومةٍ نشأت لمقاومة الاحتلال والتصدي له، أن تحقق التضامن فعلاً، وأن توحد الجبهات عملاً، وأن تهدد الكيان الصهيوني حقيقة، ولعلنا أصبحنا من القوة والانتشار، ومن العمق والامتداد، والسلاح والقدرة، ما يمكننا من تحقيق أهدافنا، والانتصار على عدونا، وأقله لجمه ومنعه، وردعه وزجره، " قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ".

 

بيروت في 20/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjRrVCVg4yxjLZDkpojuGqx%2B0jfEc_Bg0SpBZTCmTmGEQ%40mail.gmail.com.

Monday, 15 August 2022

{الفكر القومي العربي} لابيد المنتشي بنصرٍ زائفٍ وتفوقٍ خادعٍ

لابيد المنتشي بنصرٍ زائفٍ وتفوقٍ خادعٍ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لم يكن يائير لابيد الزاحف إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وتصريف أعمالها وتسيير ملفاتها، حتى تمام الانتخابات التشريعية المبكرة الخامسة وظهور نتائجها، وتكليف الأقوى فيها بتشكيل الحكومة الجديدة، يحلم أن يرتفع رصيده في الشارع الإسرائيلي، وأن ينال نسبةً أعلى من أصوات المؤيدين له والراضين عن سياسته، وهو المتهم في الأوساط الداخلية الإسرائيلية أنه أقرب إلى اليسار فكراً وسياسة، وأنه لا يستطيع اتخاذ قرارات تتعلق بالحرب وشن عمليات عسكرية، أو تنفيذ مهامٍ أمنية كبيرة، فهو القادم من خلف المكاتب الإعلامية والبرامج التلفزيونية، دون أدنى خبرة عسكرية أو أمنية، إلا أنه ضليعٌ بالملفات الاقتصادية، فهو إلى جانب أنه كان وزيراً للاقتصاد في إحدى حكومات نتنياهو، فهو رجل أعمالٍ كبير، وأحد أكثر الإسرائيليين ثراءً.

 

فجأة وجد رئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية يائير لابيد نفسه في خضم المعركة العسكرية، وداخل ميدان القتال، يزور مستوطنات الغلاف، ويقف على الحدود، ويتجول بين الدبابات والجنود، ويطلق التصريحات من بين السيارات العسكرية والتجهيزات القتالية، ويستخدم مفاهيم جديدة لم يألفها من قبل، فهو يريد حسم المعركة دون أن يتكبد مستوطنوه أي خسائر، ويشجع قائد الجيش على تحييد قادة حركة الجهاد الإسلامي، وتصفية كبار مسؤوليها، بما يعيد الأمن إلى العمق والغلاف، ويحقق الردع واستعادة الثقة بالجيش وقدراته القتالية، ويرفض تقديم أي اعتذار للفلسطينيين أو المجتمع الدولي بسبب استخدام القوة المفرطة في قصف أهدافٍ مدينةٍ فلسطينية، ويعتبر أن ما قام به جيشه يندرج تحت مفهوم حفظ الأمن وسلامة المستوطنين، وتوجيه ضرباتٍ استباقية ضد أي مخاطر محتملة.

 

يظن لابيد أنه حقق في قطاع غزة ما لم يحققه أسلافه، وأنه تمكن من تدمير منصات إطلاق الصواريخ، ووجه ضربةً مؤلمةً إلى حركة الجهاد الإسلامي، وصَفَّى كبار قادتها، واستطاع أن يخلق شرخاً بين قوى المقاومة الفلسطينية، وعطل غرفة العمليات المشتركة، ومكن جيشه من استعادة بعض هيبته، وترميم بنيته، واستعراض قدراته العسكرية، التي مزج فيها بين القوة والأمن، ومنح سلاح الطيران الفرصة الكاملة لأن يتفرد في المعركة، فيما يبدو أنها محاولة لاستعادة هيبة الذراع العسكرية الطويلة لسلاح الطيران الإسرائيلي القديم.

 

كما ظن لابيد أنه نجح في توجيه رسائل صريحة ومباشرة إلى قوى المقاومة الفلسطينية وغيرها، بأنه قادرٌ على أن ينال منها ويحيدها، وأن جولة القتال القصيرة في غزة قد تتكرر مراتٍ أخرى في أكثر من مكان، وتخيل أن قوى المقاومة الأخرى قد تلقت الرسالة وفهمتها، وأدركت أن سياسة الجيش قد تغيرت وصلاحياته قد تبدلت، ولعل بعض مستشاريه الأمنيين والعسكريين، فضلاً عن قائد جيشه، قد نفخوا فيه وأشادوا به، وهَوَّلوا له ما حقق وعظموا ما أنجز، وكَبَّروا رأسه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.

 

زاد في زهو لابيد وخيالائه، أن نتنياهو استجاب له ولبى دعوته، واستمع إليه وقدم له نصائحه، وقَبِلَ أن يتلقى منه تلخيصاً أمنياً، ويطلع على التقارير الخاصة بالعمليات العسكرية الجارية في قطاع غزة، بما يعني اعترافه به رئيساً للحكومة الإسرائيلية، وهو الذي كان يرفض الاعتراف بسلفه نفتالي بينت، ويصر على تحقيره والتقليل من قدره وشأنه، والاستخفاف بقدراته ومميزاته، رغم أن الظروف الأمنية والعسكرية التي كانت سائدة في مايو/آيار من العام 2021، في ظل حرب "سيف القدس"، كانت أقسى وأصعب، وأكثر خطورة وسخونة مما هي عليه الآن، ورغم ذلك فقد رفض تقديم الدعم لبينت بينما قدمه للابيد، الذي اعتبره اعترافاً به وتنازلاً من نتنياهو له.

 

ما زالت استطلاعات الرأي الإسرائيلية تورط لابيد أكثر فأكثر، وتمنحه المزيد من التقدم، وتوهمه أنه أصبح الأقوى والأقدر، وأنه المنقذ والمخلص، وأن على شعب إسرائيل أن يضع فيه الثقة ويمنحه المزيد من الأصوات في الانتخابات القادمة، بما يمكنه من تشكيل حكومةٍ قوية ومستقرة، فلا يكون الشعب مضطراً لخوض انتخاباتٍ سادسة وربما سابعة.

 

يبدو أن يائير لابيد مخمورٌ بما يسمع، ومنتشيٌ بما يرى، وما زالت السكرة تلعب في رأسه، ونسي أن الأرض التي يقف عليها تميد به وبمستوطنيه، وأنها تشتعل ناراً في كل مكانٍ حوله، وأن الفلسطينيين، أصحاب الأرض وحماة الوطن، لن يتركوه في سكرته طويلاً، ولن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام استعلائه الموهوم، وتفوقه المخادع، فكما أسقطت المقاومة شيمعون بيريز وأيهود أولمرت وأيهود باراك وأفيغودور ليبرمان، وقادة الجيش السابقين أمثال دان حالوتس والدعيِّ الفاشل بيني غانتس، فإن المقاومة التي تضرب في القدس والضفة الغربية، وتصمد وتصد في قطاع غزة، وتخيف في جنوب لبنان وترعب، قادرة بإذن الله أن تنسي لابيد وساوسه، وأن تعيده بالقوة إلى حجمه الطبيعي وجحره الذي كان فيه.

 

بيروت في 15/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojj_Xp3ZgNSCBAmUWsNPdvUTQPTXj1KHnUuH-%2B1iLyO_CQ%40mail.gmail.com.

Saturday, 6 August 2022

{الفكر القومي العربي} يوميات العدوان الإسرائيلي الغادر على غزة 1 الفجرُ الإسرائيلي الكاذبُ

يوميات العدوان الإسرائيلي الغادر على غزة (1)

الفجرُ الإسرائيلي الكاذبُ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ليس فَجراً بل هو الفُجرُ بعينه، فالفَجرُ أبلجٌ أبيضٌ باردٌ صافي، وفُجرُهم أسودٌ قاتمٌ باغيٌ ظالمٌ،

 

والفَجرُ سلامٌ ومحبةٌ، وصلاةٌ وذكرٌ، وفُجرُهم عدوانٌ وحربٌ، ودمارٌ وقتلُ،

 

والفَجرُ حياةٌ وفُجرهم موتُ، وأهلُ الفَجر أبرارٌ وصناعُ الفُجرِ فُجَّارٌ،

 

وهيهاتَ لفُجرٍ أن ينتصر على الفَجرِ، أو يطفئ نوره ويمنع بزوغه، فما بعد الفَجرِ نورٌ وضياءُ، وما بعد الفُجر موتٌ وفناءُ،

 

فالفَجرُ أقسم به رب العزة وعظمه، وفُجرهم دانه وحقره، وللفَجرِ رجالٌ نستبشرُ بهم، وللفُجر شياطينٌ نستعيذ بالله السميع العليم منهم، وأهل الفَجر يسبحون، والفُجّار يُلعنون ويُرجمون،

 

أطلقوا على عدوانهم البغيض اسم "الفجر الصادق"، وهم أكثر من يعلم أنه فجرٌ كاذبٌ، وأنه لا صبح بعده ولا نورَ يرتجى منه، فهم الفُجار في خصومتهم، والكفار في ملتهم، والمغضوب عليهم من خالقهم،

 

وهم كما سرقوا الأرض واغتصبوا الحقوق، ودلسوا وزوروا وكذبوا وخدعوا، ونسبوا إلى أنفسهم ما ليس فيهم، وادعوا ملكية ما ليس لهم، فقد سرقوا منا الفجر، ونسبوه لأنفسهم وهو لا يعرفهم، بل هو عدوهم منذ وجدوا على الأرض، وحاربوا الرب وقتلوا أنبياءه،

 

قد لوثوا اسم الفَجر وشوهوه، وغيروا معناه وبدلوا حقيقته، وألبسوه ثياباً من نارٍ، وشواظاً من لهب، وهو الذي اعتدنا على نسائمه العليلة، وأنواره البهيجة، وأنفاسه الطيبة،

 

اختارت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اسم "الفجر الصادق" على عدوانها الخامس حرباً على قطاع غزة، اعتقاداً من قيادة الأركان الراحلة قريباً، أنهم سيرممون بها جيشهم، وسيحسنون سمعته، وسيعوضون خسارتهم، وسيستدركون ما فاتهم، وسيحققون بعضاً من أهدافهم التي فاتتهم خلال كل الحروب السابقة، وعجزوا عن تحقيقها رغم فائض القوة وقسوة السلاح،

 

شعبنا بحول الله واثقٌ، ومقاومتنا بإذن الله قادرةٌ، ولن يخفينا فجورُ العدو ولا ترسانة أسلحته، ولن يفت في عضدنا تهديده ووعيده، ولن يفل عزمنا جمعه وعديد أحلافه، فنحن الأقوى ما مضينا على الحق، وصبرنا على الألم، وَجُدْنا بالدم، وضحينا في سبيل الوطن  

 

سيعود إلينا فجرناً أبلجاً ومعه فلق الصبح أبيضاً، وسيبوء العدو بعدوانه حسرةً وخسراناً، وسيجني جراء عدوانه شوكاً وألماً، ولن يفرح بنصرٍ يحلم به، ولن يحقق تفوقاً عمل عليه، ولن ينال من المقاومة التي أوجعته، ولا من رجالها الذين أدموه وآلموه،

 

وسيعود رجالنا ذات صباح يحملون على أكتافهم بنادقهم، وفي أيديهم غنائم معاركهم، وستستقبلهم نساء فلسطين بالأغاني والأهازيج، والمهاهاة والزغاريد، كصيادي البحر العائدين بسلالٍ ملأى بالسمك، وقلوب تعج بالفرح، وضحكاتٍ عاليةٍ تسمع البلاد كلها صداها،

 

ألا أيها الفجر الصادق إننا على موعدٍ معك كما الوعد الصادق والطير السانح، على موعدٍ مع نصرٍ على عدونا تجلبه، وطردٍ له تحققه، ونارٍ تحته تحرقه، ولعنةً عليه تلاحقه،

 

فجرنا الصادق نصرٌ يتنزل، ووعدٌ يتحقق، وقلوبٌ تفرح، وشعبٌ يعود، وعلمٌ يرفرف، ورايةٌ ترفع، وهو أملٌ يتحقق، ورجاء يقبل، ودعاءٌ يستجاب.

 

بيروت في 7/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjgY3PyXkRGwMvO3JL2egt9g1WgpaR0aMHDo3itAEDn%2BQA%40mail.gmail.com.

Friday, 5 August 2022

{الفكر القومي العربي} معادلةُ حركةِ الجهادِ وجيهةٌ وشروطها منطقيةٌ

معادلةُ حركةِ الجهادِ وجيهةٌ وشروطها منطقيةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

·     ملاحظة: كتبت المقال قبل ساعاتٍ من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

أخذت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عشية اعتقال الشيخ بسام السعدي، تهديدات حركة الجهاد الإسلامي على محمل الجد، واتخذت إجراءات احترازية عالية للغاية، فأغلقت المعابر، واستدعت قوات الاحتياط، وكلفت الفرق الخاصة بالجاهزية التامة، وأمرت المستوطنين بالتزام بيوتهم، وعدم مغادرتها إلى الأماكن العامة، وطلبت منهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد على مدى الساعة، عند أول توجيه أمني أو صافرة إنذارٍ عامةٍ، للنزول إلى الملاجئ والمباني المحصنة، تحسباً لأي عملية ردٍ قد تقوم بها حركة الجهاد الإسلامي، التي يبدو من خطابها السياسي والإعلامي أنها جادة في تهديداتها، وأنها ماضية في تنفيذ وعودها، وأن أحداً لن يردعها حتى تستجيب سلطات الاحتلال لشروطها.

 

وكان المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" لحكومة الاحتلال قد اجتمع أكثر من مرةٍ، واستمع رئيسها الذي اختلفت لهجته، إلى رئيس الأركان وقادة الأجهزة الأمنية، الذين أفادوا بخطورة الأوضاع الأمنية، واحتمال تدهورها إلى ما هو أسوأ من ذلك، وأن الأمر يتجاوز التوقعات المنخفضة إلى الاحتمالات العالية، حيث غلب عليهم الظن أن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين قد اتخذت قرارها، وحسمت أمرها، وجهزت مقاومتها لتنفيذ عملياتٍ ما ضد أهدافٍ إسرائيلية، مدنية وعسكرية، انتقاماً لاعتقال قائدها في جنين، وأحد أبرز رموزها في الضفة الغربية، الشيخ بسام السعدي.

 

تدرك سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن حركة الجهاد الإسلامي قد شعرت بالغصة الكبيرة لاعتقال الشيخ السعدي، وآلمها كثيراً الطريقة التي استخدمت لاعتقاله، إذ أطلقوا عليه كلباً ضارياً مدرباً، لاحقه ونهش جسده وعضه، قبل أن يقوم جنودهم بجره على الأرض وسحله، وضربه وتعذيبه وإهانته، وهو ما دفعهم إلى نشر مجموعة من الصور له، تظهر حسن تعاملهم معه، وعدم إساءتهم إليه، حيث بدت الصور الجديدة خالية من الخدوش والكدمات التي كانت موجودة حكماً عند اعتقاله، ولكن خشيتهم من توتر الأوضاع أكثر بسبب الصور الأولى المتداولة، دفعتهم إلى تعميم الصور الجديدة، والسماح للمنظمات الدولية بزيارته في مكان اعتقاله، في رسالةٍ واضحة إلى حركة الجهاد الإسلامي.

 

إلا أن الحركة التي وصلتها رسائل كثيرة، قام بها وسطاءٌ مصريون وغيرهم، وتعرضت لضغوطٍ كثيرة لئلا ترد، فضلاً عن التهديدات الإسرائيلية بقصف مقراتها، واستهداف قياداتها، وضرب معسكراتها ومراكزها التنظيمية، تصر على موقفها إلا أن تستجيب سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى مطالبهم الثلاثة، وهي الإفراج عن الشيخ بسام السعدي، والإفراج عن الأسير المضرب عن الطعام خليل عواودة، ووقف عمليات الاقتحام والمداهمة والاعتقالات في الضفة الغربية المحتلة.

 

قد تبدو هذه الشروط صعبة أو مستحيلة وتعجيزية، إذ لا يقبل بها العدو الإسرائيلي ولا يخضع لها، وهي تمس كرامته وسيادته، ولم يسبق له أن خضع أو استجاب لها، وهو لا يريد أن يسجل سابقة في تاريخه، أنه يخضع لشروط المقاومة وينزل عندها، الأمر الذي يعني تكرارها وتشجيعها على القيام بمثلها، وهو الذي سبق له أن اعتقل سعدات والبرغوثي وحسن يوسف وغيرهم من كبار القادة والرموز الفلسطينيين، ولم يخضع للتهديدات، ولم يفرج عنهم أو يبدي استعداداً لمبادلتهم، فكيف يقبل الآن بترسيخ قواعد جديدة ومعادلات كاسرة، يصعب عليه بعد ذلك الخلاص منها.

 

قد تبدو هذه الشروط فعلاً صعبة لكنها ليست مستحيلة، وقد لا يقبل بها العدو اليوم، لكنها مطالب وجيهةٌ وشروطٌ منطقيةٌ، سيقبل بها العدو، شاء أو أبى في المستقبل القريب، إن وجد نفسه في مواجهة  الشعب كله وقواه المقاومة جميعاً، ورأى أن هذه الشروط ليست شروط حركةٍ أو حزبٍ، إنما هي شروط شعبٍ ومقاومة، وأن الفلسطينيين جميعاً يقفون خلفها ويؤيدونها، ولا يتركون حركة الجهاد الإسلامي ترفعها أو تنادي بها وحدها، وأنهم على استعداد للتضحية من أجلها، والصبر حتى تحقيقها.

 

إنها شروط عزةٍ وكرامةٍ، ومطالب حقٍ وعدالة، فالشعب الفلسطيني كله يقف وراء هذه الشروط ويؤيدها، لكنه مع تعميمها وتوسيعها، فلا تمييز بين الأسرى، ولا مفاضلة بين المعتقلين، بل هم جميعاً أمانةً في عنق هذا الشعب ومقاومته، وتحريرهم مسؤولية والإفراج عنهم واجب، وإن كان من تمييز بينهم ومفاضلة، فالأولوية هي للأسيرات والمعتقلات، وللصبية والأطفال، وللمرضى والمصابين، وللشيوخ المسنين وعمالقة الأسرى الصابرين، فلهؤلاء الأولية دائماً، بما لا ينسينا الواجب الأكبر والمسؤولية الأشمل، وهي الحرية الكاملة وتبييض السجون كلها، حينها يفرح المؤمنون ويحتفل الفلسطينيون بنصر الله. 

بيروت في 6/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhDRoy0_HDCnKpLjPMSr2KbLxHXjHR6wWCNZw%2ByxvZGDg%40mail.gmail.com.

Thursday, 4 August 2022

{الفكر القومي العربي} أضواءٌ على الانتخاباتِ الإسرائيليةِ الخامسة يأسٌ شعبيٌ وسُعارٌ حزبيٌ (2)

أضواءٌ على الانتخاباتِ الإسرائيليةِ الخامسة

يأسٌ شعبيٌ وسُعارٌ حزبيٌ

(2)

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

بعد قرار سحب الثقة عن حكومة نفتالي بينت، والدعوة إلى انتخاباتٍ تشريعيةٍ مبكرةٍ في الأول من نوفمبر/تشرين ثاني القادم، يتهيأ الشارع الإسرائيلي، أحزاباً ومستوطنين، لإجراء انتخاباتٍ مبكرةٍ للمرة الخامسة خلال أربع سنواتٍ متواليةٍ منذ العام 2019، وللمرة الخامسة والعشرين منذ تأسيس الكيان، في ظل أجواء من اللامبالاة والبرود الشعبي، وغياب مظاهر الحماس والتعبئة الانتخابية التي اعتاد عليها الجمهور الإسرائيلي في دوراته الانتخابية العادية.

 

ذلك أن الجمهور الإسرائيلي قد مَلَّ التوجه المتكرر إلى صناديق الانتخابات التي لا تحسم نتائجها، ولا تتغير معطياتها، ولا تقود بحالٍ إلى استقرارٍ سياسي، أو تبشر بحكومةٍ مستقرةٍ، تتمتع بثقةٍ برلمانيةٍ كافيةٍ، وإنما تعيد إنتاج الانقسام نفسه، الذي يخلق حالةً من الاستعصاء السياسي في ظل حكوماتٍ ضعيفةٍ مهزوزةٍ، تقوم شرعيتها على أغلبيةٍ ضئيلةٍ بصوتٍ واحدٍ أو أكثر بقليلٍ، الأمر الذي يجعلها دائماً عرضةً للابتزاز والمساومة، وأقرب إلى فقدان الثقة والسقوط عند أول أزمةٍ تواجهها.

 

إلا أن الأحزاب السياسية التقليدية والجديدة، والتحالفات التي تُبنَى والتكتلات التي تنشأ، على عكس الجمهور اليائس المحبط، فإنها لا تتوقف عن محاولات السعي للوصول إلى الكنيست الإسرائيلي، رغم قناعة الجميع أنه لن يكون هنالك ثمة حزبٍ ملكٍ، ولا تكتلٍ رئيسٍ.

 

فالقانون الانتخابي والتشظي السياسي والشرذمة الحزبية، تحول دون عودة الحياة السياسة الإسرائيلية إلى زمن أحزاب العمل والليكود وحتى كاديما، ما يعني أن الكل في حاجةٍ إلى الكل، وأنه لا قيمة مهملة، ولا تمثيل هامشي، بل إن المقعد الواحد يستطيع أن يمنح الحكومة الثقة، كما أنه يستطيع أن يسحب الثقة منها ويسقطها، وهي المعضلة التي أنشأتها الأغلبية الضئيلة، التي لم تعد تزيد عن 61 عضواً، أي النصف زائد واحد فقط، الأمر الذي يجعل كل الحكومات مهزوزة وضعيفة، وغير قادرة على الصمود أمام أي جلسة للتصويت على حجب الثقة عنها.

 

أمام هذه القناعات التي أصبحت ثوابت، فإن بعض الأحزاب تعمل بجدٍ ومثابرة لزيادة حصة تمثيلها، وتقليل حصة خصومها، بينما تسعى غيرها إلى تجاوز نسبة الحسم، وحجز مقاعدها منفردةً أو بالتحالف مع غيرها، ورغم حالة الاستقطاب الكبرى، والمفاوضات التي لا تهدأ، والمساعي التي لا تفتر، فإن اليمين الإسرائيلي الذي يتزعمه زعيم المعارضة الحالي، رئيس الحكومة الأسبق، بنيامين نتنياهو، لن يحصل على أكثر من 57 صوتاً، ما يعني أنه في حاجةٍ إلى أربعة أصواتٍ أخرى، وهو ما قد لا يتحقق إلا في حال نجاح الحزب الجديد "الروح الصهيونية" بتجاوز نسبة الحسم وحجز أربعة مقاعد في الكنيست.

 

أما تكتل يسار الوسط المكون من أحزاب الجنرالات وساعر ولابيد وليبرمان، وحزب العمل وميرتس، فإنه لن يتمكن من الحصول على أكثر من 53 مقعداً، مما سيجعله مضطراً للتحالف مع الأحزاب العربية، وهو ما باتت أطرافه ترفضه وتخشى منه، وتعتبره أنه السبب الأكبر في ضعف تمثيل الحكومة، حيث ستتهم الحكومة في أحسن الأحوال بأنها غير صهيونية، في حين أن آخرين سيصفونها بأنها معادية للصهيونية، كونها تضم أحزاباً عربية تناوئ الصهيونية وتعاديها.

 

رغم حالة الاستعصاء القوية ومظاهر الجمود المسيطرة، والإحساس العام بأن الانتخابات التشريعية الخامسة ستفضي إلى سادسة وسابعة وثامنة وما بعدها، ما لم يتم الاتفاق على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" واسعة، تشمل الطيف السياسي كله، اليمين ويسار الوسط والعمل، وهو ما لا يبدو في الأفق المنظور ممكناً، طالما بقي نتنياهو يتصدر المعارضة، ويسجل حزبه الليكود في مختلف الاستطلاعات أعلى الأصوات، ويريد العودة إلى رئاسة الحكومة، وتوظيفها مع الكنيست لخدمته شخصياً، وتنظيف سجله، وفرض حصانته ضد أي اتهامٍ آخر، وهو ما لا تقبل به الأحزاب الأخرى، التي ترى أن عودته مشكلة، وأن انتصاره هزيمةٌ لها، وهي الأحزاب التي اصطلح على تسميتها "أحزاب البديل"، أي بديل نتنياهو.

 

إلا أن قوى المعارضة وفي المقدمة منها نتنياهو، التي طالبت أن تجرى الانتخابات في 25 تشرين أول، أي قبل أكثر من شهر من الموعد الذي تم تحديده، تخشى من أن بقاء يائير لابيد في منصبه رئيساً للحكومة، ولو بصفة تصريف أعمال، التي قد تطول في حال لم يتم حسم النتائج وتشكيل حكومة، مما قد يزيد من قوته وحظوظه.

 

من المؤكد أن المدة المتبقية قد تحسن أوضاعه، وتزيد من نسبة تمثيل حزبه "ييش عتيد" والموالين له في الكنيست الإسرائيلي، آخذين بعين الاعتبار تأييد الإدارة الأمريكية له، وتفضيلها له على نتنياهو، وهي التي خصته باستقبال الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي أرجأ زيارته مدة أسبوعين، ليكون هو لا نفتالي بينت في استقباله، الأمر الذي قد يزيد من فرص فوزه واحتمالات زيادة حصته.

 

ما زال في الوقت متسعٌ كبيرٌ لمتغيراتٍ جديدةٍ، إذا أخذنا بعين الاعتبار التحديات التي يواجهها الكيان الصهيوني، سواء على الحدود الشمالية لفلسطين، خاصةً ما يتعلق بملف التنازع المائي بينه وبين لبنان، حول حقول الغاز في حوض البحر المتوسط، والتحديات المتصاعدة في الضفة الغربية، التي تشهد أكبرها محافظات جنين ونابلس، الأمر الذي يجعل من نسبة اندلاع حربٍ متعددة الجبهات كبيرة، تشمل لبنان وسوريا وغزة، واحتمالات التحاق جهاتٍ أخرى بها، مما سينعكس حتماً على نتائج الانتخابات والخيارات السياسية، التي قد تقود حكماً نحو حكومةٍ وحدةٍ وطنيةٍ واسعةٍ، وإن كانت ستكون على الأرجح حكومة برأسين، قد يكون نتنياهو الساعي للنجاة والحالم بالعودة أحد رأسيها.

يتبع.....

 

بيروت في 4/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhbQo05hpvbmab61m1hSTqz1yJ9Au19JdzSz-ukZM_Nvg%40mail.gmail.com.

Tuesday, 2 August 2022

{الفكر القومي العربي} الروحُ الصهيونيةُ حزبٌ جديدٌ وعنصريةٌ طاغيةٌ

الروحُ الصهيونيةُ حزبٌ جديدٌ وعنصريةٌ طاغيةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

وزيرة الداخلية الإسرائيلية في حكومة بينت–لابيد، التي انهار ركنها الأول وسقط، وأعلن رئيسها نفتالي بينت بعد تسليمه منصب رئاسة الحكومة لشريكه في الائتلاف يائير لابيد، تخليه عن مركزه في زعامة حزب يمينا لصالح نائبته وشريكته في الحزب إيليت شاكيد، تصارع من أجل البقاء وتجاوز نسبة الحسم الانتخابية، بعد أن أظهرت مختلف استطلاعات الرأي السابقة، أنها لن تحصل على أكثر من ثلاثة مقاعد نيابية، وبالتالي فإنها لن تتجاوز نسبة الحسم المطلوبة، وستصبح حكماً خارج الكنيست الإسرائيلي، مما اضطرها للبحث عن شركاء جدد، يتوافقون معها في السياسة، ويشتركون معها في الأهداف، وتنسجم معهم في الرؤية والمشروع.

 

وجدت إيليت شاكيد ضالتها في يوعاز هيندل، زعيم حزب "ديريخ إيرتس"، واتفقت معه على تشكيل حزب جديد يضمهما معاً، يتضمن أفكارهما ويعبر عن آرائهما، ويدعو إلى تطبيق سياستهما، وأطلقا عليه اسم "الروح الصهيونية"، ليبقى مقتصراً على المؤمنين بالصهيونية والداعمين لها فقط، وليحول دون دخول أو التحاق غيرهم به، وخاصةً الأحزاب العربية التي تتناقض مع مبادئهم، واليسارية التي تؤمن بالتسوية وتشجع عليها، وبإعلان تشكيله يكونان قد ضمنا وفق آخر استطلاعات الرأي حصول حزبهما الجديد على أربعة مقاعد نيابية، بما يعني نجاحهما في تجاوز نسبة الحسم.

 

لكن يبدو أن إليت شاكيد وشريكها هيندل لن يكتفيا بما حققاه حتى الساعة، بل يتطلعان إلى توسيع تحالفهما، وزيادة تمثيل حزبهما، لا ليتمكنا فقط من تجاوز نسبة الحسم التي ما زالت سيفاً مسلطاً عليهما، بل ليكون حزبهما الجديد قادراً على المنافسة في التشكيلة الحكومية القادمة، وليتمكن من فرض شروطه وإملاء مواقفه، ومنع الحكومة من تقديم أي تنازلات قد تمس جوهر المشروع الصهيوني و"الدولة اليهودية".

 

إلا أن المراقبين لحركة تشكيل الأحزاب، وإعادة فك وتركيب التحالفات الجديدة، يرون أن شاكيد ستبقى تصارع من أجل البقاء، وستواجه احتمالات الغرق والعودة مجدداً إلى ما دون نسبة الحسم المطلوبة، اللهم إلا إذا التحقت بها أحزابٌ صهيونية قوميةٌ ودينيةٌ، أو تبرع نتنياهو وحزب الليكود بدعمها وتوجيه بعض الموالين له بالتصويت لحزبها، ذلك أنها مرشحة بقوة لأن تعود إلى صديقها القديم نتنياهو، لتتحالف معه من جديد، لكنها لا تريد العودة إليه ضعيفة، بل تتطلع أن تكون قوية، وتستند إلى تمثيلٍ في الكنيست أكبر، يمكنها من فرض شروطها وتحصين الحكومة ضد أي تنازلاتٍ سياسية أو أمنية متوقعة.

 

ولما كان نتنياهو في حاجتها، فهو على استعداد لأن يلعب دوراً مباشراً في دعمها، لعلمه أنها أقرب الحلفاء المحتملين إليه، وأنها لن تتأخر في التعاون معه ودعمه، وهي التي عملت لسنواتٍ مديرةً لمكتبه، وهو لا ينسى محاولاتها حمايته وضمان حصانته إبان توليها وزارة العدل، لكنه لن يكون مستعداً أن يدفع لها من رصيده الخاص، بل سيسعى لحصولها وحزبها على دعمٍ من أتباع ليبرمان ويسار الوسط، ومن أعضاء حزب الصهيونية الدينية، الذين قد يغادرون مربعاتهم الحزبية لصالح اليمين المتطرف والصهيونية الصريحة الواضحة.

 

تأمل شاكيت أن يقوى حزبها مع يوعاز هيندل، وأن يتمكن من التحالف مع الليكود وأحزاب اليمين الدينية والقومية، بعيداً عن "الأصابع العربية"، وبناء ائتلاف قوي يمكنه تشكيل حكومة منسجمة، تكون قادرة على الصمود والاستقرار، وإلا فإن الانتخابات السادسة لن تكون الأخيرة، وهو ما يخيفها ويقلقها.

 

لكن المتابعين للتشكيلات الحزبية الإسرائيلية، يرون أن أغلبها يهدف إلى تجاوز نسبة الحسم، وأنه بعد الانتهاء من عملية الانتخابات وتوزيع المقاعد، فإن حالة الانقسام والتشظي والاستقطاب السياسي ستعود من جديد، وستفرض الخلافات نفسها على الأقطاب، وكما خرج يوعاز هيندل من عباءة يمينا، وتخلى عن زعيمه ورئيس الحكومة السابق نفتالي بينت، فإنه قد ينقلب على شاكيت ويتركها، خاصةً أنه على غير وفاق مع نتنياهو، ويتهمه بجر الدولة كلها لخدمته شخصياً، وتحقيق منافعه الذاتية منها، ولهذا فهو يشترط للتحالف معه تشكيل حكومة واسعة تضم إلى حزبه والأحزاب اليمينة الأخرى أحزاب يسار الوسط.

 

حزب "الروح الصهيونية" قد يلقى قبولاً من المستوطنين الإسرائيليين، فهو حزبٌ عنصريٌ يمينيٌ، يدعو إلى إبادة الفلسطينيين أو طردهم، ويرفض الاعتراف بهم أنهم شركاء معهم في الأرض، فضلاً عن أن يكونوا أصحابها، وهو يدعو إلى مواصلة الاستيطان ورفض أي محاولة لتجميده أو وقفه، ولعل شاكيت التي لا تخفي عنصريتها، ولا تتردد في إظهار تطرفها، ستفرض على الحزب الجديد مبادئها التي آمنت بها وناضلت من أجلها، وستبذل أقصى الجهود لاستبعاد العرب وعدم التحالف معهم أو الاعتماد عليهم.

 

لا يوجد في حزب الروح الصهيونية مكانٌ للدولة الفلسطينية، ولا للتسوية السياسية مع الفلسطينيين، إذ ترفض زعيمته الاعتراف بهم أو تقديم أي تنازلاتٍ لهم، وتعتبر أن الأرض كلها لهم "لليهود"، وأن دولتهم يجب أن تكون دولة قومية يهودية، لا مكان فيها لغير اليهود سكاناً أو ملاكاً، وستقف وحزبها ضد أي تسهيلاتٍ قد تقدم للفلسطينيين بما يهدد هوية الأرض وقومية الكيان.

 

تعتقد شاكيت أن "الروح الصهيونية" ليست حزباً فقط، بل هي حاجة يهودية وضرورة صهيونية، وهي مطلب قومي وقاعدة دينية، ليتمكن المشروع الصهيوني من استعادة قوته، وفرض مفاهيمه التي انطلق على أساسها قبل أكثر من مائة عام، وإلا فإن التهاون في المبادئ، والتنازل عن الثوابت، والاعتماد على "الغير" في بناء الدولة وترسيخ أركانها، فإنه يعجل في سقوطها وزوال مشروعها.

 

بيروت في 2/8/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjJrVyKgg9x8VnWRCY65HuifsXewQfTnuWjgc16774ujw%40mail.gmail.com.