Friday, 4 November 2022

{الفكر القومي العربي} اليمينُ الإسرائيلي لم يَعُدْ والتطرف الصهيوني لم يَغِبْ

اليمينُ الإسرائيلي لم يَعُدْ والتطرف الصهيوني لم يَغِبْ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

مخطئٌ من يظن أن الكيان الصهيوني قد تغير، وأن سياسته قد تبدلت، وأن نتائج الانتخابات الأخيرة قد صدمت الفلسطينيين وأخافتهم، وفاجأت دول العالم وأربكتهم، وأنها جاءت عكس التوقعات ومخالفة للعادة، وأن المنتخبين منبتين عن أصولهم ومختلفين عن أسلافهم، وأن أفكارهم العنصرية جديدة وسياساتهم الفاشية مستحدثة، وأن من كان قبلهم كانوا وسطيين معتدلين، ولم يكونوا متطرفين متشددين، ولا عنصريين فاشيين.

 

كما أننا لسنا أمام "إسرائيل" جديدة، مختلفة عن سابقتها، ولا تشبه تاريخها، ولا تكرر ذاتها، ولا تعيد إنتاج سياساتها بتبديل وجوهها وتغيير أحزابها، رغم أن الكثير من المنتخبين ليسوا جدداً، بل كانوا موجودين وفاعلين، ولو أنهم كانوا في المعارضة وخارج الحكومة، إلا أنهم كانوا حاضرين بأفكارهم، وطاغين بعنصريتهم، ويفرضون أنفسهم بتصرفاتهم، وفي مقدمة العائدين زعيمهم ورئيس حكوماتهم السابقة بنيامين نتنياهو.

 

الحكومات الإسرائيلية السابقة، ومعها قيادة الجيش الذي لا تتغير سياسته ولا تتبدل نظريته، وإن كانت أدواته تتطور ووسائله تتنوع، لم تتوقف يوماً عن أعمال الإرهاب وجرائم العنصرية والفاشية، فقد أرست الحكومات السابقة دعائم الدولة اليهودية القومية، وأنكرت حقوق الآخرين في العيش في فلسطين، وصادرت أرضهم وخربت ممتلكاتهم، وحرقت زروعهم وخلعت أشجارهم ودمرت بيوتهم، وقتلت رجالهم واعتقلت أبناءهم، وبنت مئات المستوطنات، وصادرت آلاف الدونمات، وسرقت المياه الجوفية وخيرات فلسطين النفطية والغازية، وحرمت الفلسطينيين وهم أصحاب الحق وأهل الوطن من كل حقوقهم المشروعة.

 

وهي الحكومات نفسها التي أطلقت يد المتطرف العنصري اليميني إيتمار بن غفير، وسمحت له بالإقامة في حي الشيخ جراح، والتضييق على أهله وطرد سكانه، وشكلت له حماية كاملة خلال عمليات اقتحامه المتكررة للمسجد الأقصى، وأيدته في حملته لطرد الفلسطينيين واقتلاعهم من أرضهم، وترحيلهم من مناطقهم، وسكتت عن حمله السلاح وتهديده المواطنين الفلسطينيين، وسمحت له بالتحريض والتعبئة، وتوجيه الجيش والمستوطنين نحو مزيدٍ من التشدد والتطرف في التعامل مع الفلسطينيين، وعدم التهاون معهم، أو التخفيف في تعليمات إطلاق النار عليهم.

 

أما بسليئل سموتريتش فقد كان وحزبه، كما إيتمار بن غفير،  ممثلاً في دورات الكنيست السابقة، وكان له دوره وأثره، ومارس من موقعه تطرفه حتى النهاية، وعبر عنه بكل سفورٍ ووقاحةٍ، ولم يدخر وسيلةً أو سبيلاً في الإساءة إلى الفلسطينيين إلا استخدمها، ولم يستغن عن كل الأدوات القذرة في تنفيذ سياساته والتعبير عن رغباته، وبالتالي فقد كان موجوداً ولم يغب، وكان حاضراً فاعلاً ومؤثراً، بما لا يجعل من عودته إلى الكنيست أو احتمال مشاركته في الحكومة تغييراً في السياسة، أو تبديلاً في المواقف.

 

وبالعودة إلى حكومات نتنياهو السابقة، ألم يكن حليفه في بعضها القومي المتشدد أفيغودور ليبرمان، وكان وزيراً في أكثر من حكومةٍ، قبل أن يصبح وزيراً للخارجية التي لعب فيها دوراً كبيراً في الانفتاح على الدول الأفريقية، وخلالها هدد مصر بتدمير سدها العالي، وتآمر عليها في سد النهضة مع إثيوبيا، وكذلك كان وزيراً للحرب التي كان ينفخ في رمادها ويسعر جمرها، ويدعو إلى إشعالها، وقتل قادة الفلسطينيين واستئناف سياسة الاغتيالات القديمة.

 

كذلك كان حليفه وربيبه نفتالي بينت، وهو اليميني المشدد، والصهيوني المتطرف، ومعه إيليت شاكيد التي لا تقل عنه تطرفاً وعنصرية، وكما كانت شاكيت وزيرة للعدل، فقد كان نفتالي بينت في ظل حكومة نتنياهو وزيراً للحرب، وكان كلاهما يدعوان إلى قتل الفلسطينيين وإخراجهم من أرضهم، وكانا يسعيان إلى تشريع الاستيطان وتسريعه، وتأمين المستوطنين والاستجابة إلى طلباتهم، وتحقيق الحلم اليهودي باقتحام المسجد الأقصى والتمكين لهم في باحاته، وفرض تقسيمه على العرب أو الحلول مكانهم والاستيلاء على مقدساتهم.

 

لا تغيير حقيقي في العقلية الإسرائيلية أو الجبلة اليهودية، ولا تبديل في المنهجية العسكرية الاستيطانية للاحتلال، فالسياسات التي كانت ستبقى، والإجراءات التي كانت متبعة ستتواصل، والخطط التي رسمت ستنفذ، والمشاريع التي أقرت ستفرض بالقوة كما كانت تفرض، والممارسات القمعية المتبعة في التعامل مع الفلسطينيين ستستمر وقد تزداد وتيرتها وتضعف كما كان شأنها في الحكومات السابقة.

 

ربما يدرك الفلسطينيون أكثر من غيرهم أن الجلبة المثارة حول نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية جلبةٌ كاذبة وجعجعةٌ قد اعتادوا عليها وعرفوها، وخبروا سوءها وذاقوا مرارتها، وعانوا من قادتها وواجهوا سياستها، فهم لا يخافون من الاحتلال برمته، ويرونه عدواً مبيناً أياً كان قائده ورئيسه، ويعرفون أنه لا تغيير ولا تبديل في جوهرهم، كما لا اعتدال ولا وسطية في سياستهم، وأن تطرفهم إن غاب حيناً فهو لسبب، وأن عنصريتهم إن توارت مرةً فهي لغاية، فهم امتدادٌ لأصلٍ خبيثٍ، وخلفٌ لسلفٍ فاسدٍ، وذريةٌ لأقوامٍ ضالين، ويمينهم المتطرف ما غاب أبدً ليعود اليوم، وعنصريتهم البغيضة ما اختفت تاريخياً لتبرز من جديدٍ.

 

 

اسطنبول في 4/11/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhJ9G_FD5oCnm-kYt2%3D7cBn5AmJkkhmRf%3DY7xSbLJAKzw%40mail.gmail.com.

Tuesday, 1 November 2022

{الفكر القومي العربي} وجهُ الكيان السافر عنصريةٌ وتطرفٌ وفاشيةٌ

وجهُ الكيان السافر عنصريةٌ وتطرفٌ وفاشيةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

انتهت الانتخابات الإسرائيلية الخامسة والعشرون منذ تأسيس الكيان، والخامسة المبكرة في غضون ثلاث سنواتٍ، في ظل توقعاتٍ غير مفاجئةٍ، ونتائج غير حاسمةٍ، رغم أن نسبة التصويت كانت الأعلى منذ العام 1999، إلا أن ارتفاع نسبة التصويت لن تساعد في الحسم لصالح اليمين أو يمين الوسط واليسار، فكلاهما يشكو من فشله في الحصول على أكثر من 60 مقعداً في الكنيست الجديد، إلا أن ينشأ تحالفٌ بين نتنياهو واليمين المتطرف ومعسكر التغيير، وهو ما يبدو مستحيلاً ولو مع بعض أطرافه، ما يعني أن حالة الجمود ستبقى قائمة، ومعها حالة التخبط وعدم الاستقرار، وتجذر الخلاف وتعمق الأزمة وزيادة الانقسام.

 

إلا نتائج العينات التلفزيونية الأولية تشير إلى أن معسكر اليمين الديني المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو قد يكون هو الفائز في الانتخابات، فقد أشارت النتائج الأولية، رغم أنها ليست رسمية بعد، إلى أن اليمين قد يحصل على 61-62 نائباً، من أحزاب الليكود والصهيونية الدينية وشاس ويهوديت هتوراة، مما يجعل نتنياهو أقرب إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة، ولو أن حكومته ستكون ضيقة، ولا تتمتع بأغلبية كبيرة في الكنيست، إلا أنها تتميز بتجانس أطرافها وانسجامهم، مما يجعلها مستقرة نسبياً، وبعيدة عن الانقسامات والانسحابات، علماً أن نتنياهو سيخضع للابتزاز والاستغلال، وسيجد نفسه مجبراً على الخضوع لأطراف ائتلافه، وملزماً على تلبية رغباتهم والاستجابة إلى شروطهم، لحاجته الشخصية إليهم في النجاة من المحاكمات، وليعود رئيساً للحكومة الإسرائيلية للمرة السادسة في حياته السياسية.

 

نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأولية تكشف بوضوحٍ تامٍ عن وجه الكيان الصهيوني الحقيقي، وهو الوجه الذي نشأ على أساسه وتمسك به، وحافظ عليه ولم يخجل منه، فهذا الكيان عنصريٌ منذ النشأة، وفاشيٌ منذ ما قبل التأسيس، ويمينيٌ متطرف خلال العقود السبعة من عمره.

 

فهو لم يخف أفكاره القديمة بطرد الفلسطينيين من أرضهم، وترحيلهم من ديارهم، ضمن برنامجٍ قديمٍ عندهم أسموه "الترانسفير"، الذي تولى الدعوة إليه والعمل به كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين، وهو وإن غاب عن الطرح حيناً، إلا أنه لم يمت، بل بقي متداولاً بين زعماء الكيان وقادة أحزابه، إذ لم يسقطه من حساباتهم مقتل مئير كاهانا أو غياب رفائيل إيتان.

 

اليوم أعاد المستوطنون الإسرائيليون الحياة إلى مشروعهم القديم، وكشفوا عن وجههم الحقيقي وسياستهم الرسمية، فاختاروا الأكثر تطرفاً من بينهم، والأسوأ عبر التاريخ فيهم، وانتخبوا نتنياهو زعيم اليمينيين وقائد المتطرفين الأول، الذي عمل على مدى سنوات ترأسه للحكومات الإسرائيلية الخمس، على انتزاع ما بقي من حقوق الفلسطينيين، وحرمانهم من مستقبلهم في أرضهم ووطنهم ومقدساتهم، وها هو اليوم يأتي ومعه الأسوأ منه والأكثر تطرفاً من حزبه، ليواصل مشروعه، ويتمم مخططاته، وينهي ما بدأه عبر سنواتٍ طويلة.

 

بدأت منذ ساعات الليل الأولى بعد إغلاق صناديق الانتخابات تتضح خطوط السياسة الإسرائيلية الجديدة، فالحكومة القادمة هي حكومة أقصى اليمين المتطرف، وسيكون أقطابها الكبار إلى جانب نتنياهو كلٌ من إيتمار بن غفير ويتسليئيل سموتريتش، الذين حصلا حتى الساعة على 15 عضواً في الكنيست، بما يجعل منهم القوة الثالثة في الكيان الصهيوني، بعد الليكود وحزب "هناك مستقبل" الذي يتزعمه رئيس الحكومة الحالي يائير لابيد، وقد أعلن بن غفير رغبته تسلم وزارة الأمن الداخلي، وفي نيته التشدد أكثر مع الفلسطينيين، وتغيير الكثير من القوانين التي تتعامل بها الحكومة مع الفلسطينيين.

 

فهو وشريكه سموتريتش لا يريدون للشعب الفلسطيني أن يبقى في أرضه، ولا أن يعيش كريماً فيما بقي له من وطنه، ويريدون انتزاعه وطرده منها، وتمكين المستوطنين من أرضهم، وبناء المزيد من المستوطنات على حسابهم، وخلال ذلك لا يعنيهم كثيراً قتل المزيد من الفلسطينيين، وإطلاق يد الجيش والمستوطنين في إطلاق النار عليهم وقتلهم بحجة الدفاع عن أنفسهم، ومواجهة اعتداءات الفلسطينيين عليهم.

 

اليوم بات الفلسطينيون والعالم كله في مواجهة أعتى حكومةٍ إسرائيلية، وأكثرها سوءً وفحشاً، وأشدها فاشيةً وعنصريةً، وسيكون لزاماً على دول العالم أن يرقبوها ويواجهوها، ويتصدوا لها ويحاصروها، فهي الحكومة المتفلتة من كل القيود، والمتحررة من كل الضوابط، وهي التي ستفجر الحروب، وستدخل المنطقة كلها من جديد في أتون مواجهاتٍ داميةٍ وحروبٍ قاسيةٍ.

 

لكن الشعب الفلسطيني الذي خبر غيرها، وعرف سياسات رئيسها العائد، وتصدى له ولقادةٍ كبارٍ أمثاله، لن يضيره عودته، ولن يخاف من حكومته، ولن يذعن لسياسته، ولن يخضع لإجراءاته، بل لعله سيكون أجرأ عليه وعلى حكومته، وأكثر إصراراً على مواجهته والتصدي له، ولعل معارك القدس وبوابات المسجد الأقصى تشهد على صمود الفلسطينيين وتقهقر نتنياهو.

 

فلا يفرحن نتنياهو بعلوه، ولا يفاخرن إيتمار بفوزه، ولا سموتريتش بانتصاره، فهذا الشعب الصابر العنيد، المؤمن الواثق، يدرك أن العدو واحدٌ وإن تغيرت أشكاله وتبدلت أسماؤه، وهو احتلالٌ وحشيٌ واستيطانٌ غاصبٌ وإن تعددت حكوماته واختلفت سياساته، فهم جميعاً سواء لا فرق بينهم، صهاينة عنصريون، فاشيون استئصاليون، يمينيون متطرفون.

 

اسطنبول في 2/11/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojia9sx7gCO0P14oj8NePrq_gHQCZvQrwziyKKTTCaHs9Q%40mail.gmail.com.

Sunday, 30 October 2022

{الفكر القومي العربي} عرينُ الأُسودِ ظاهرةٌ شعبيةٌ دائمةٌ أم حالةٌ تنظيميةٌ عابرةٌ

عرينُ الأُسودِ ظاهرةٌ شعبيةٌ دائمةٌ أم حالةٌ تنظيميةٌ عابرةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

نجحت كتائب "عرين الأسود" في بث الرعب والخوف في قلوب الإسرائيليين، وأقلقت كثيراً سلطاتهم الأمنية، وأربكت قواتهم العسكرية، وأدخلت الاحتلال في تحدٍّ جديدٍ ومواجهاتٍ دائمةٍ، وكشفت عن عميق تخوفهم وشديد توجسهم من تنامي قوة الكتائب واتساع نطاق عملها وانتشار عناصرها وتعميم مقاومتها.

 

فقد تمكنت المجموعة رغم حداثة نشأتها وقلة عدد أعضائها، وقسوة الحرب ضدها، والحصار المفروض عليها وعلى مدينتها، من فرض نفسها وإظهار دورها، وأعلت بعملها من شأن المقاومة، ورسم قادتها باستقلاليتهم وتنوع انتماءاتهم صوراً رائعة للبطولة والتحدي، وأضحت كلماتهم خلال المواجهة أو في وصاياهم الأخيرة أثناء الحصار وخلال ساعات الاشتباك العصيبة، درباً يحتذى ونوراً يستضاء به، ومعاني يُستشعرُ بها العزة والكرامة والشمم والإباء.

 

عبأت سلطات الاحتلال قواتها، وكلفت جيشها وأجهزتها الأمنية، واستعانت بفرق المستعربين والوحدات الخاصة، واستخدمت أقمارها الصناعية وطائراتها المسيرة وبرامجها التجسسية، خلال محاولاتها المحمومة السيطرة على مدينة نابلس والقضاء على أعضاء "عرين الأسود"، ولعلها نجحت في تصفية بعضهم أو اعتقالهم، ويسرت استمالة السلطة لآخرين منهم بتعهدها الكاذب التوقف عن ملاحقتهم واعتقالهم أو تصفيتهم وقتلهم، إلا أنها لم تتمكن من تصفية عناصر المجموعة الفتية، وتفكيك بنيتها، أو السيطرة عليها واعتقال أعضائها، وما زالت حتى الساعة تخطط لمواجهتهم، وتعد العدة لاقتحام مناطقهم ومداهمة أماكنهم.

 

لم تعد سلطات الاحتلال تواجه بضعة عناصر من مجموعة عرين الأسود، ينتمون إلى وحداتٍ عسكريةٍ أو خلايا حزبيةٍ منظمةٍ، أو تتشكل من عناصر النخبة وأعضاء من الفصائل الفلسطينية، وإنما غدت تواجه الشعب كله، الذي شارك أبطال عرين الأسود معاركهم، وخاض معهم بطولاتهم، وحماهم بالصدور والأرواح، وفتح له الدور والبيوت، وأخلى لهم الشوارع والطرقات، وحلق شبابهم في مكانٍ آخر شعر رؤوسهم تمويهاً لهم وتيسيراً لحركتهم، وخذل عنهم وتفانى في الدفاع عنهم، بعد أن رسم أبطال المجموعة بصمودهم وتضحياتهم صورةً رائعةً للمقاومين، ومشاهد بطولية للمقاومة، وسطروا بالدم والسلاح أروع الرسائل، وأطلقوا أصدق الوصايا وأخلص الكلمات.

 

باتت المقاومة ومواجهة الاحتلال هي حديث الشارع الفلسطيني العام ومادتهم اليومية، تتصدرها أخبار مجموعة عرين الأسود وكتيبة جنين وغيرهما من الخلايا المستجدة الأصغر منها، لكنها لم تعد مجرد ثرثرةً عامةً وتحليلاتٍ ممجوجةً أو أخباراً متناقلة، بقدر ما أصبحت عملياتٍ متنقلةً ومحاولاتٍ مستمرةً، ويشهد العدو على أن عملياتها أصبحت جادةً وقوية، وظاهرة مقلقة ومزعجة، فما من يومٍ إلا ويشهد عمليةً جديدةً، لا تقتصر على الصوت والصدى، والبيان والخبر، بل يقتل فيها جنودٌ ومستوطنون إسرائيليون، ويجرح منهم الكثير، ويخضع بسبب كثرة العمليات العسكرية مستوطنوهم للحبس المنزلي، ويغلقون عليهم أبوابهم، ولا يخرجون من مستوطناتهم، التي يفرض في شوارعها أنظمة حظر التجوال، خوفاً من فدائيين يتسللون، ومقاومين يدخلون.

 

لا شيء يقلق الاحتلال أكثر من الحاضنة الشعبية والرعاية الوطنية، فالمقاومة البعيدة عن محيطها والغريبة عن وسطها، سرعان ما تنتهي وتذوب، وتذوي جذوتها وتزول، ولهذا فهو يلجأ بخبثٍ بكلامٍ معسولٍ وتصريحات ٍجوفاء إلى الفصل والتمييز بينهم، ويدعي أنه يستهدف العامة ولا يقصد قتل المواطنين، وهو في الحقيقة يستهدفهم ولا يميز بينهم، ويقتل المقاومين في الميدان تماماً كما يقتل المواطنين في الشوارع والطرقات، ويفرض الحصار القاسي والإجراءات المذلة المهينة على الشعب كله، ويمارس العقاب الجماعي بلا رحمةٍ ضد السكان جميعاً، صغارهم وكبارهم، وأطفالهم ونساءهم، ومرضاهم وأصحاءهم.

 

ربما تتمكن سلطات الاحتلال من تفكيك المجموعة وقتل أو اعتقال أعضائها، لكن خبراءهم والمسؤولين، والمتابعين والدارسين، وقادة الجيش وضباط الأجهزة الأمنية، يدركون تماماً أنهم لم يعودوا يواجهون مجموعةً عابرةً، أو حالةً نضالية مؤقتة، فقد نجحت مجموعة عرين الأسود، ومن قبل كتيبة جنين، في خلق حالةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ عامةٍ، وشيوع مزاجٍ وطني شعبيٍ مقاوم، فإن خمدت نيران كتيبةٍ هنا، فإن نار سريةٍ هناك ستندلع، وجمر كتيبةٍ أخرى سيتقد، ولن تقف المقاومة عند جنين أو نابلس، ولن تجمد أشكالها على عرين الأسود وكتيبة جنين، فها هي جبع تشكل كتيبتها الجديدة، وتطلق عليها اسم "كتيبة جبع"، وغداً ستتشكل كتائب أخرى جديدة، وستنطلق سرايا مقاومة أخرى، يلتحق بها المقاومون، ويتنافس في العمل فيها الفلسطينيون، فلا يهنأ العدو كثيراً، ولا ينام ملء جفنيه طويلاً.

 

 

إسطنبول في 30/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojha70E-6BO6sEebY7nyxgiXhGWhDNvgJkvUmuMBxWVa_A%40mail.gmail.com.

Friday, 28 October 2022

{الفكر القومي العربي} ثلاثةُ أيامٍ قبل الانتخابات الإسرائيلية الخامسة

ثلاثةُ أيامٍ قبل الانتخابات الإسرائيلية الخامسة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تغلي الساحة الإسرائيلية كالمرجل، وتعج جدرانها بالصور كجريدةٍ، ووسائلها الإعلامية بالوعود والتصريحات، وتشتبك أحزابها وتلتحم كتلها وتعود بعضها فتخرج وتنفصل، وتستقل بنفسها وتعلن خوض الانتخابات وحدها، وهي تتأهب بتحفزٍ شديدٍ وقلقٍ أكبر لخوض الانتخابات التشريعية الخامسة في غضون أقل من ثلاث سنواتٍ، التي لم يبق على إجرائها سوى ثلاثة أيامٍ فقط، إذ ستجري يوم الثلاثاء القادم الأول من شهر نوفمبر/تشرين ثاني 2022.

 

يعلم الإسرائيليون على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، أن الانتخابات الجديدة لن تنقذهم، ولن تخرجهم من مأزقهم، ولن تكون نتائجها هي جسر العبور وبوابة الاستقرار، بل ستعيدهم حتماً إلى المربع الأولى التائه الحائر، العاجز الضعيف، الذي لا يملك فيه أي طرفٍ القوة الكافية للحسم وتجاوز مراحل حالة اللا وزن واللا قرار واللا استقرار التي يمر بها كيانهم، ويعاني منها مستوطنوهم، ويشكو منها اقتصادهم، وتضطرب فيها شؤونهم، وتتصادم مصالحهم، في ظل عالمٍ متغيرٍ وتحدٍ دائمٍ ومواجهاتٍ مستمرةٍ.

 

رغم أنه لم يبق وقتٌ طويل على يوم الانتخابات، ولم يعد هناك احتمالاتٌ لتغيير وجهات النظر وتبدل النتائج المتوقعة، إذ أن الغالبية قد حسمت قرارها، وأكدت عل خياراتها، ولا يبدو أن أحداً يستطيع تغيير قرارها، أو حملها على انتخاب من لا تريد، إلا أن المؤسسات الإسرائيلية المختلفة لم تتوقف عن إجراء الاستقراءات الميدانية، وإصدار نتائج استطلاعات الرأي التي تصل إليها، التي تؤكد كلها عدمية التوصل إلى نتائج مفاجئة، تغير الواقع وتحسم القرار.

 

لكن اللافت في الشارع الإسرائيلي في الأيام القليلة الماضية، هو أن قطاعاً كبيراً من المستوطنين قد عزفوا عن التصويت، وأعلنوا نيتهم مقاطعة الانتخابات، ليأسٍ شديدٍ من نتائجها، وعدم جدوى بذل الجهد في سبيلها، في ظل سلبيةٍ مزاجيةٍ شعبيةٍ لافتةٍ، تحاول الأحزاب تبديدها وإخراج المستوطنين منها، ودفعهم للمشاركة الفاعلة والتصويت الكثيف، واعتبار ذلك مهمة وطنية ومسؤولية قومية لا ينبغي التقصير فيها أو التخلي عنها، في ظل وعودٍ يطلقها قادة الأحزاب أنهم سينفذون وعودهم، وسيلبون طلبات جمهورهم.

 

أما الأمر الآخر اللافت والمثير للانتباه، فهو حالة التصادم والاشتباك بين أطراف التكتلين وأحزاب الفريقين، فاليمين الإسرائيلي الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو رئيس حزب الليكود، قد أعلن الحرب على شريكته إيليت شاكيت رئيس حزب البيت اليهودي، واتهمها بأنها تحاول سرقة أصوات حزبه والتأثير على الناخبين له، لتتمكن من تجاوز نسبة الحسم، بعد أن شعرت بأنها قد اقتربت منها للمرة الأولى، حيث كانت أغلب استطلاعات الرأي تمنحها نسبة 1.1، لكنها تمكنت في الأيام القليلة الماضية من الحصول على 2.6، ما يعني أن آمالها في التمثيل البرلماني قد انتعشت.

 

وفي الوقت نفسه فقد قام نتنياهو بطرد قادة اليمين الديني المتطرف وهم حلفاؤه الجدد وشركاؤه المؤكدون، ورفض أن يشاركهم الكلمة أو تلتقط له صورة معهم، وأجبر ايتمار بن غفير على النزول من على المنصة، وكذلك فعل الشئ نفسه مع بتسليئيل سموتريتش، واتهمهما بمحاولة سرقة أصوات حزبه، والتأثير على الناخبين الموالين له، رغم أن سلوكه لا يخلو من إشاراتٍ واضحة ومقصودة، أنه قد لا يتحالف معهما، ولن يشركهما في حكومته، ليفسح المجال أمام بعض أحزاب يمين الوسط، الذين يشاركون في معسكر البديل، لينظموا إلى تحالفه ويشتركوا معه في حكومةٍ أكثر استقراراً.

 

أما في الجانب الآخر والتكتل المعارض الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال يائير لابيد، فإن الخلافات الحزبية تعصف به وبشركائه الذين يتهمونه بتفتيت أحزابهم والتأثير على ناخبيهم، ونقلهم إلى معسكره، فقد ظهرت نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة، التي أظهرت ارتفاع مقاعد حزب "هناك مستقبل" إلى 28 عضواً، عن هجرة بعض أصوات حزبي العمل وميريتس إلى حزب "ييش عتيد"، وتراجع مستوى تمثيل الحزبين إلى خمسة مقاعد وربما أقل، الأمر الذي من شأنه أن يهدد وجودهم ويعقد من احتمالية تجاوزهم لنسبة الحسم.

 

رغم أن أفيغودو ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" يدعي أنه الحزب الثابت والأكقر استقراراً والأقل تأثراً بالمتغيرات، وأن تمثيله لا يتغير، إلا أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والمواقف الإسرائيلية المرتعشة تجاه أطراف الحرب، تضعه وحزبه في مهب الرياح، فجل ناخبيه هم من أصولٍ روسية وأوكرانية، وقد شعر الطرفان بخذلان الحكومة الإسرائيلية لبلديهما.

 

أما بالنسبة للعرب، الذين عصف بهم اختلاف قوائمهم وتناقض أحزابهم، وعدم مسؤولية كبارهم، بعد خروج حزب التجمع الذي يرأسه سامي أبو شحادة، بالإضافة إلى إحساسهم بعدم قدرتهم على التأثير الكبير، فإنهم لا يبدون رغبةً كبيرةً في المشاركة في الانتخابات، ومن المؤكد أن نسبة تصويتهم ستنخفض، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن القائمتين العربيتين المشتركة والموحدة، سيحققان أربعة مقاعد لكلٍ منهما، إلا أن هذه النتائج تبقى متأرجحة، ولا تحسمها إلا صناديق الانتخابات.

 

الإسرائيليون قلقون، والأمريكيون يراقبون، وربما هذا حقهم وهو شأنهم، لكن الذي نخشى منه ونخاف، هو رهان بعض العرب والفلسطينيين على نتائج الانتخابات، واعتقادهم أنها قد تغير الواقع وتبدل الحال، وأن بعضهم سيكون أفضل من غيرهم، ويمينهم المعتدل أقرب إلى السلام من يمينهم المتطرف، وما عرفوا أنهم جميعاً ملةً واحدةً، وجبهةً ضدنا مشتركةً، وأنهم جميعاً شركاء في قتلنا والعداء لنا، ولا خير يرجونه لنا ولا سلام يأملونه معنا.

 

بيروت في 28/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojjd--zKMLnWm%2B4LKGWaJNZNhgN2rYR%2BwStxfaYp1tDyAw%40mail.gmail.com.

Wednesday, 26 October 2022

{الفكر القومي العربي}







عرين الأسود حالة ستترسخ في المجتمع الفلسطيني رغم التنسيق الأمني وعنجهية الاحتلال 

 

رشيد شاهين 

بدون مقدمات او كثير من الضجيج وبعيدا عن أعين عملاء الاحتلال وعسسه واستخباراته وكل ما يمتلكه من تكنولوجيا تراقب حتى انفاس الفلسطينيين وخلجاتهم، خرجت مجموعة من الشباب المقاوم لتعلن عن "تشكيل" أطلقت عليه اسم عرين الأسود. 

لم يمض كثير وقت على اعلان هذا التشكيل حتى حاز على تأييد الجماهير الفلسطينية، الامر الذي يعكس تعطشها لمثل هذا التشكيل، او الفصيل المقاوم لكل ما هو قائم ومناهض للاحتلال، كما ويعكس هذا التأييد العارم البغض لكل ما له علاقة بسياسات سلطة أوسلو المعلنة وغير المعلنة. 

لقد كان الإعلان عن العرين مفاجأة غير سارة لكل الأطر والفصائل في الساحة الفلسطينية، هذه الفصائل التي فقدت مبرر وجودها حيث انها لم تعد قادرة على اقناع الناس بضرورتها وذلك انها تخلت تماما عن دورها الكفاحي سواء كان ذلك في السياسة او الفعل النضالي الحقيقي. 

خلال الأسابيع الماضية كان عرين الأسود الشغل الشاغل لكافة المستويات السياسية والأمنية سواء في سلطة أوسلو او في دولة الاحتلال، ذلك انه لقي استجابة جماهيرية واسعة تجلت بأبهى صورها في التفاعل الشديد مع دعوات العرين للإضرابات او خلال التشييع للشهداء الذين ارتقوا وهم في مواجهة مع قوات الاحتلال. 

لقد أشاع العرين أجواء وحدوية غير مسبوقة في الشارع الفلسطيني منذ حدث الانقسام بين جناحي الوطن، وهو الامر الذي لم يعجب أصحاب ذلك الانقسام بغض النظر عما يقال في وسائل الاعلام من كلام براق واحاديث منمقة تشيد بالعرين. 

وحيث ان العرين بدأ يأخذ كل هذا الصدى والتضامن فانه اصبح هدفا لجميع الجهات المتضررة من وجوده وفي المقدمة دولة الاحتلال التي تعهد قادتها على جميع المستويات بالقضاء على هذه "الظاهرة". 

في واقع الامر فان محاولات التشكيك بالعرين وافراده قد ابتدأت بشكل مبكر وأسرع مما هو متوقع، حيث صارت بعض الجهات وخاصة تلك المرتبطة بسلطة أوسلو تحاول الترويج "بهدوء حتى اللحظة" عن ارتباطات للعرين وترديد أسطوانة باهتة عن اجندات له مرتبطة بهذه الجهة او تلك، لا بل تجرأ البعض على محاولات الإساءة للعرين وإشاعة انه تشكيل مخترق يهدف الى القضاء على كل المقاومين في مدن الشمال. 

دولة الاحتلال بدورها اخذت على عاتقها انهاء العرين من خلال عمليات الاغتيال الغادرة والهجمات المكثفة، لا بل لقد جندت كل امكانياتها من اجل القضاء على العرين، وهي قد تحقق نجاحا هنا او تقدما هناك، الا انها على المدى الاستراتيجي تدرك ان ما نجح العرين بترسيخه في الذهنية الفلسطينية لا يمكن محوه أو نسيانه بسهولة، فقد ثبت بالوجه القاطع ان العرين صار حقيقة ثابتة ستتكرر وتتمدد على مساحة الأرض المحتلة بأكملها. 

 

بيت لحم  

الأربعاء 26-10-2022 


{الفكر القومي العربي} زارا تستحقُ أكثر من رسالةِ إنذارٍ وعتبٍ

زارا تستحقُ أكثر من رسالةِ إنذارٍ وعتبٍ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ما من مدينةٍ عربيةٍ إلا وفيها عشرات الفروع لشركة "زارا"، التي يرتادها المواطنون من مختلف الجنسيات العربية والإسلامية أيضاً، وجميع الفئات العمرية من الجنسين، إذ تتخصص الشركة الإسبانية في بيع الملابس الرجالية والنسائية والولادية، بالإضافة إلى الأحذية والمحافظ الجلدية والعطور وأدوات الزينة والمكياج، وغيرها من المنتجات التي تتميز بها الشركة، وتبدع في تقديم المزيد والجميل منها، مما يرضي مختلف الأذواق ويلبي أغلب الرغبات، ويجعل منها شركةً رائدةً وناجحة.

 

لم يكن زبائن شركة زارا العرب يشعرون بأي حرجٍ عند ارتيادهم لفروعها المنتشرة في كل مكان، فهي شركةٌ إسبانية، يحبونها كما يحبون أندية بلادها الرياضية ورموز كرة القدم فيها، وقد اعتادوا على موقفها الداعم للقضية الفلسطينية، والمؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وحقه في أن تكون له دولةٌ ووطنٌ وعلم، والرافض لسياسة الاحتلال الإسرائيلي العنصرية الظالمة ضد الفلسطينيين، والمستنكرة للعمليات الاستيطانية ومصادرة الأراضي وطرد السكان والاعتداء على حياتهم وحقوقهم.

 

إسبانيا تعترف بالدولة الفلسطينية ولها سفير في عاصمتها مدريد، وفيها جالية فلسطينية كبيرة، تتمتع بكامل حقوقها، وتشكل جاليتها، وتعقد فيها أنشطتها، وتحيي المناسبات الفلسطينية العامة، التي يشارك فيها إسبانٌ رسميون وشعبيون، يعلنون فيها بجرأةٍ ووضوحٍ وصراحةٍ، تأييدهم لنضال الشعب الفلسطيني، ولا يترددون في إعلان تضامنهم معهم وتقديم المساعدات لهم، وقد سبق لها أن نظمت قوافل إغاثة للشعب الفلسطيني، كان بعضها بمبادرة الجالية الفلسطينية، لكن كثيراً منها كان بدعم وتشجيع ومساعدة الجهات الرسمية الإسبانية.

 

إزاء هذه المواقف السياسية الرائعة المؤيدة لفلسطين ونضال شعبها، أحب الفلسطينيون إسبانيا وأهلها، وشجعوا التبادل التجاري معها، ولم يسبق أن طالبوا بمقاطعتها وفرض عقوباتٍ عليها، إذ لم يروا منها إلا كل دعمٍ وتأييد، في حين دعوا إلى مقاطعة شركاتٍ فرنسية وإنجليزية ودنماركية وسويدية وغيرها، ممن توالي الكيان الصهيوني وتدعمها، ولعلنا سنرى قريباً في مونديال الدوحة، عاطفة الفلسطينيين تترجم إيجاباً تجاه إسبانيا، تشجيعاً لأنديتها الرياضية، وتأييداً لمنتخبها الوطني في مباريات كأس العالم كما يتجلى دائماً في مباريات كأس الأمم الأوروبية.

 

لكن الأيام القليلة الماضية حملت معها صدمةً عنيفةً، ومفاجأةً غير سارةٍ، أحزنت الفلسطينيين وخيبت ظنونهم، إذ نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة، خبر رعاية وكيل شركة زارا في الكيان الصهيوني جوفي شوفل، لبعض الفعاليات الانتخابية للمرشح اليميني المتطرف ايتمار بن غفير، رئيس حزب البيت اليهودي الإسرائيلي، المحرض الأول على عمليات اقتحام باحات المسجد الأقصى، الذي يدعو وحزبه إلى طرد الفلسطينيين وترحيلهم، وإعلان دولة إسرائيل القومية للشعب اليهودي فقط، وإخراج كل من يرفضها أو يعارضها من حدودها.

 

يَعُزُ جداً على الفلسطينيين الذين يحفظون الموقف الإسباني المؤيد لهم، أن يطالبوا أبناء أمتهم العربية والإسلامية بمقاطعة شركة زارا، وعدم ارتياد فروعها والشراء منها، وسحب تراخيص عملها وإلغاء عقود استئجارها واستثمارها في التجمعات التجارية العربية الكبرى، على خلفية هذا الموقف المخزي والمشين للشركة، الذي يتناقض وعراقة علاقة إسبانيا بالعرب عموماً وبالفلسطينيين خصوصاً.

 

لكن الفلسطينيين لن يقبلوا من الشركة الإسبانية أقل من تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني، والتأكيد على مواقف بلادها الداعمة للشعب الفلسطيني، وإدانة ما أقدم عليه وكيلها في الكيان الصهيوني، وإعلان البراءة مما قام به، وسحب ترخيص الوكالة منه، واستعادة كل الأموال التي تبرعت بها الشركة لتمويل حملة بن غفير الصهيونية، وإلا فإنها تغامر بسمعتها، وتفرط في حب المواطنين العرب لها، وإقبال الفلسطينيين على منتجاتها، وخسارة قطاعٍ كبير من الزبائن والأسواق العربية. 

 

استانبول في 26/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojhtq6GqJ6tJZXF9LJW4uYkoL3zdiPKhdT1y7L_Cqjd-pA%40mail.gmail.com.

Monday, 24 October 2022

{الفكر القومي العربي} أمنُ الكيان بين كاريش اللبنانية ومارين الفلسطينية

أمنُ الكيان بين كاريش اللبنانية ومارين الفلسطينية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تدرك سلطات الاحتلال الإسرائيلي، السياسية والعسكرية والأمنية، أنها لن تتمكن من حماية حقول النفط والغاز البحرية، المنتشرة على امتداد الشواطئ الفلسطينية، بدءً من شواطئ قطاع غزة جنوباً، وصولاً إلى شواطئ فلسطين الشمالية المتاخمة للشواطئ اللبنانية، والتي يكتشف جديدها الغني يوماً بعد آخر، ويقدر مخزونها بمليارات الأمتار المكعبة من الغاز ومثلها من براميل النفط، بما يعني عوائد مالية بمئات مليارات الدولارات على مدى السنوات القليلة القادمة، الأمر الذي يفرض عليهم استخراجه وحمايته وتأمين بيعه وتصديره، وهو ما لا يبدو سهلاً دون تفاهماتٍ إقليمية واتفاقياتٍ مع دول الجوار.

 

تصف قيادة أركان جيش الاحتلال حقولها النفطية ومنصاتها العاملة في استخراج النفط والغاز، المعلومة المكان والمحددة الإحداثيات بدقة، أنها كالبطة العائمة، التي تتحرك ببطءٍ ولا تستطيع حماية نفسها، في الوقت الذي يسهل اصطيادها واستهدافها بدقةٍ متناهيةٍ، ولن تتمكن القبب الفولاذية وبساط الريح وغيره، ومضادات الصواريخ المختلفة، باتريوت الأمريكية والسهم الإسرائيلية وغيرها من حمايتها، وبالتالي فإن منع استهدافها من مختلف الجهات ضربٌ من الاستحالة، وفي الوقت نفسه فإن شركات التنقيب والاستخراج لن تتمكن من العمل في ظل أجواء من التهديد الأمني والعسكري في المنطقة، ما يفرض على سلطات الاحتلال فرض أجواء هادئة وآمنة لتشجيعها على التعاقد ومباشرة العمل.

 

نجحت حكومة الاحتلال في تأمين استخراج النفط والغاز من الحقول الشمالية، والتي هي ليست كاريش فقط، وإن كان حقلها هو عنوان الثروة النفطية البحرية وقمة جبل الجليد منها، وإنما هي سلسلة من الحقول والآبار النفطية الواعدة، التي يتطلع الاحتلال إلى استخراج نفطها وغازها بأمنٍ وطمأنينة، بعيداً عن أي تهديدٍ قد يوقفها أو يعطلها، ويبدو أن المحكمة العليا الإسرائيلية، التي ردت كل الالتماسات المعارضة بكف يد الحكومة ورفض مشروع اتفاق الترسيم، قد أيدت قرار الحكومة وشجعتها عليه، ومهدت السبيل أمام التوقيع عليه بصورة نهائية ورسمية.

 

بعد كاريش وربما قبلها ولكن بصمتٍ وهدوءٍ، التفت الاحتلال إلى قطاع غزة، الذي بشرت شواطئه منذ أكثر من عشر سنواتٍ بكمياتٍ كبيرةٍ من النفط والغاز المخزون في جوف شواطئه، غير بعيدٍ عن سواحله كثيراً، إذ ذكرت تقارير أمنية واقتصادية إسرائيلية أن حقل "مارين" الغني بالغاز يقع على بعد 36 كم من شواطئ قطاع غزة، وتشير أغلب الدراسات والصور الفضائية أن الحقل اقتصادي بامتياز، وأنه مرشح لاستخراج كمياتٍ كبيرة من الغاز، حيث يقدر مخزونه بثلاثين مليار متر مكعب، وهي كميات كافية لتغطية احتياجات المنطقة كلها، وتصدير الفائض عن الحاجة إلى الخارج، والاستفادة من العوائد في تطوير قطاع غزة على وجه الخصوص، وتوفير الخدمات الضرورية له.

 

تدرك سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن قطاع غزة يختلف عن لبنان، وأن المقاومة فيه متحررة من كثيرٍ من القيود التي تكبل المقاومة في لبنان، فقطاع غزة ليس عنده ما يخسره أبداً، وهو محاصر منذ أكثر من خمس عشرة سنة، ومحرومٌ من الكهرباء، ومحطته الوحيدة التي تكاد تعمل بضعة ساعاتٍ يومية، تعاني من نقصٍ في الديزل اللازم لتشغيلها، فضلاً عن أنها محطة قديمة، وقدرتها الإنتاجية غير كافية، وتصنف على أنها مضرة بالبيئة، بالنظر إلى الدخان المنبعث من محركاتها الضخمة القديمة.

 

على خلاف التوقعات في لبنان، لا تستبعد سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن تقدم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على قصف حقل "مارين" ومنشآته، وضرب أي منصة قد تغامر وتتعاقد مع حكومة الكيان للعمل فيها، ويبدو أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي لا تنسى أبداً أن حقل مارين أقرب إلى قطاع غزة من أسدود وبئر السبع، لا تخفي مخاوفها من امتلاك بحرية المقاومة في غزة تقنياتٍ عالية وأسلحة متطورة، وقدرتها على تلغيم أهداف بحرية، مما سيجعل من الحقول النفطية ومنصات استخراج الغاز كمستوطنات الغلاف، التي لا تفتأ المقاومة تقصفها وتهدد أمنها، وتفقدها الاستقرار والقدرة على ممارسة الحياة الطبيعية الهادئة المطمئنة.

 

انطلاقاً من المخاوف والمطامع، وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي للتفاوض مع السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية، لتطوير حقل مارين وخلق شراكة بين الأطراف الثلاثة للاستفادة من عوائد الغاز المتوقعة، ووافقت على المباشرة في إجراءات التنفيذ أملاً في أن يحقق قطاع غزة بعض المكاسب المادية المتعلقة بتحويل محطة توليد الكهرباء من وقود الديزل إلى الغاز الطبيعي، وأملاً في خلق آلاف فرص العمل لأبناء قطاع غزة، الأمر الذي من شأنه توفير أجواء آمنة ومستقرة لشركات التنقيب والإنتاج.

 

يبدو أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتت تدرك أن القوة لا تخلق الأمن، وأن الحروب والعدوان يزيد من قوة المقاومة ولا يضعفها، وأن الأدوات الخشنة قد أفادت المقاومة أكثر مما أضرت بها، وأن بيئتها التي لا تملك شيئاً تخاف عليه لا تفكر في الثورة والانقلاب عليها، أو التمرد عليها وعصيانها، أما في حال خلق آفاق اقتصادية كبيرة، وتوفير فرص عمل مغرية، وربط أمن واستمرار عمل المشاريع الإنتاجية ببعضها، فإن هذا من شأنه أن يضغط على قوى المقاومة، وأن يكبح جماح قادتها، ويمنعها من القيام بأي مغامرة أو المبادرة بأي عملٍ قد يزيد من كلفتها ويرفع فاتورة خسائرها.

 

بيروت في 24/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjibZGSNgkO89nA-C%3D59fW-jnnNonoeU%3DKiuSZHoPTi%2Bww%40mail.gmail.com.