Sunday, 7 May 2023

{الفكر القومي العربي} قذائفُ الهاون تصدعُ رأسَ جيشِ الاحتلال

قذائفُ الهاون تصدعُ رأسَ جيشِ الاحتلال

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتاد جيش الاحتلال في السنوات القليلة الماضية أن يشكو من أنفاق المقاومة ومن صواريخها التي باتت تتطور وتتنوع، ويزداد مداها ويتعاظم أثرها، ثم أصبح يشكو من الطائرات المسيرة التي تصل إلى العمق، ترصد وتصور، وربما باتت تستطيع أن تلقي أسلحةً إلى المقاومين، وفي الأيام القليلة الماضية تضايق كثيراً من مضادات الصواريخ المختلفة، التي أصبحت قادرة على أن تحد من قدرة طائراته المغيرة وعدوانه الدائم ، أو على الأقل أن تشوش عليها وتعيق حركتها وتعطل بعض فعاليتها، أو تسبب لها اضطراباً في وظيفتها وفشلاً في مهمتها، إضافةً إلى غيرها من الأسلحة الجديدة المهربة إليها أو المصنعة محلياً التي باتت تقلقه وتزعجه.

 

لن يتوقف جيش الاحتلال عن الشكوى والأنين، والتذرع بقدرات المقاومة وأسلحتها، وجاهزيتها واستعدادها، في محاولةٍ منه لتبرير عجزه وضعفه، وتردده وفشله، وعدم قدرته على تحقيق أهدافه وإنجاز مهماته، علماً أن قيادته تعمل منذ سنوات على ما يسمى إعادة ترميم الجيش واستعادة قدرته وهيبته، واسترجاع ماضيه الذي تميز فيه بالتفوق والردع والقدرة على الحسم السريع في أصعب الظروف وأقل الخسائر.

 

ولعل خطة تنوفا التي عمل عليها رئيس أركان جيش الكيان السابق أفيف كوخافي على مدى أربع سنواتٍ، لم تفلح في ترميم جيشه وتحسين صورته واستعادة هيبته، على الرغم من عشرات المناورات المختلفة بالذخيرة الحية في أكثر من مكان، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية وعشرات الدول العربية والأوروبية، ورغم ذلك ما زال جيشهم يقف عاجزاً أمام المقاومة، ولا يستطيع تفكيكها والسيطرة عليها، أو نزع سلاحها وقتل واعتقال عناصرها، رغم حملاته المتكرة وعدوانه الدائم، وعنفه المفرط وقوته الفائضة.

 

آخر الشكاوى الإسرائيلية من المقاومة الفلسطينية أنها باتت تمتلك أنواع متعددة من قذائف الهاون، ذات الأعيرة والقدرات المختلفة والمديات المتفاوتة، التي يصل مدى بعضها إلى أكثر من 10 كلم، وتستطيع إصابة أهدافها بدقة نسبية، في الوقت الذي لا يستطيع الجيش تتبع مساراتها وتحديد أماكنها وقصفها، إذ يلزم لإصابتها وتدميرها قصفها بصورة مباشرة، وإلا فإنها تبقى مهيأة للاستخدام دائماً.

 

ومما يزيد من الصداع الإسرائيلي أن هذه القذائف لم تعد مهربة فقط، حيث وصل بعضها قديماً من إيران، بل باتت المقاومة الفلسطينية قادرة على تصنيعها وتطويرها، ومحاكاة القذائف الإسرائيلية نفسها، أي أنها قذائف متجددة وكثيرة العدد وتستطيع المقاومة إنتاج وتخزين الآلاف منها، وهي قد تفاجئ العدو إذ لا تتسبب في إطلاق صافرات الإنذار، كما أن القبة الفولاذية لا تستطيع اعتراضها وإسقاطها، ويستطيع مطلقوها تغيير مرابضهم بسهولةٍ وسرعةٍ كبيرةٍ، بحيث لا يستطيع الجيش تحديد مكانها وضربها.

 

تلحق قذائف الهاون التي يصعب تحديد أماكنها أو وقف إطلاقها أضراراً كبيرة بالكيان الصهيوني، وتعتبر إلى جانب صواريخ الكورنيت وغيرها من أخطر الأسلحة المرتجلة التي تملكها المقاومة، حيث يسهل نقلها وسحبها وإخفاؤها واستخدامها في الأماكن المكشوفة والمغلقة، ويمكن إطلاقها من فوق المباني ومن فوهات الأنفاق، كما يسهل نقلها وتخزينها بكمياتٍ كبيرةٍ في غرفٍ محصنةٍ تحت الأرض، حيث تتراوح أوزان مختلف أجيالها بين 5-17 كجم.

 

ويبدو أن لدى المقاومة الكثير منها، الجاهزة للإطلاق والمعدة للتخزين، ولدى معاملها القدرة على تصنيع الجديد وتعويض المستودعات، بما يعمق أزمة الكيان، ويفاقم حالته سوءً، ويجعل صداعه مزمناً، ومعاناته دائمة، وشكواه مريرة لا شفاء منها ولا علاج لها إلا بتفكيكه وزواله، إيذاناً بالفجر الآتي والصبح القريب، والعودة المجيدة والدولة العتيدة، والقدس العاصمة والأقصى الشريف، والأسرى الأحرار والأرض المطهرة.

 

لن يرتاح الكيان الصهيوني ولن يطمئن إلى أمنه، ولن يأمن المقاومة ولن يسلم من جديدها، فهو لا يكاد يخرج من كابوسٍ حتى يداهمه كابوسٌ آخر، يقلقه ويزعجه وربما يخيفه أكثر.

 

فالمقاومة العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً الواثقة بالنصر، باتت تسبب للعدو صداعاً مستمراً وأرقاً دائماً، فهي قريبة جداً من مدنه ومستوطناته، وتعترض طرقهم وتتقاطع مع شوارعهم، وترصد مواقعهم وتحدد احداثياتهم، وتصور مراكزهم وتتابع حركتهم، وتخترق حواسيبهم وتتجسس على مكالماتهم، وتراقب أنشطتهم وتجمع المعلومات من حواراتهم، وتعرف لغتهم وتفهم عقلهم وطريقة تفكيرهم، وتستطيع الوصول إلى أهدافها بسهولةٍ ويسرٍ، لقرب الأماكن المستهدفة، ودقة القذائف الصاروخية الجديدة، ومدياتها المتعددة، وقدراتها المتفاوتة، وخبرة المقاومة المتراكمة، وتجربة المقاومين المتمرسة.

 

بيروت في 8/5/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojg%2BXdXJdqSiKhQJeKfuPHrGD_zy-B-yiUqrtq940pQf5w%40mail.gmail.com.

Monday, 1 May 2023

{الفكر القومي العربي} مؤتمرُ فلسطينيي أوروبا يحفظُ الهويةَ ويحمي القضيةَ

مؤتمرُ فلسطينيي أوروبا يحفظُ الهويةَ ويحمي القضيةَ 

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يظنون أنه لا وجود لهذا الشعب ولا هوية له، ولا تاريخ يربطه بأرضه ولا ذكريات له في وطنه، ولا مقدساتٍ يتوق إليها ولا أمجاد له فيها، ولا انتماء يتمسك به ولا أصول يصر عليها، ولا آباء قاتلوا من أجله، أو أجداد غرست أجسادهم في أرضه، ولا ما يشده إلى ماضيه أو يربطه بمجده، فقد أنكروا وجوده، ورفضوا تمثيله، وتمنوا شطبه، وعملوا على زواله، وتآمروا عليه وعملوا ضده، واحتالوا عليه واتحدوا ضده، ولم يقصروا في حربه والاعتداء عليه ومحاولة خلعه، لكن مساعيهم كلها قد خابت، وباءت جهودهم كلها بالفشل، واستعلى الشعب الفلسطيني وسما، ونقش اسمه على هام الزمان ومضى، وسجل مجده على صفحات التاريخ وسنا.  

 

فهذا الشعب الضاربة جذوره في عمق الزمن وعلى مدى التاريخ، الثابت رغم الصعاب، والباقي رغم التحديات، والمصر على العودة، يأبى الشطب، ويرفض الذوبان، ولا يقبل بالتهميش، ولا يرضى بالركن أو يستسلم للحصار ويموت بالخنق، بل ينتفض ويثور على محاولات الإساءة والتضييق، ومساعي التعمية والتزييف، وأماني التخلي والنسيان، ويصر على كرامته، ويضحي من أجل حريته، ويتفانى في قتال عدوه، ولا ييأس في معركته، ولا يخاف من مواجهته، ويبتكر وسائل جديدة لقتاله، ويبتدع سبلاً مختلفة لمقاومته.

 

الفلسطيني حيث يكون يمثل وطنه، ويعيش قضيته، وينوب عن شعبه، ويعبر عن ألمه، ويكون خير سفيرٍ لبلده، وأصدق رائدٍ مع أهله، ومهما كان بعيداً فهو إلى وطنه أقرب، وإليه يحن، ومن أجله يعمل، وفي سبيله يقدم ويضحي، ويعطي ويمنح، ويجود ويسخو وخير ماله يبذل، وهو لا ينتظر داعياً يحثه، ولا محرضاً يدفعه، ولا غيوراً يشجعه، ولا عملاً يستفزه، ولا حوافز تغريه، أو مكافئاتٍ ترضيه، ذلك أنه يؤمن أن فلسطين وطنه، وأن تحريرها واجب، واستنقاذها فرضٌ، واستعادتها حقٌ، وأن القدس أمانةٌ، والأقصى آيةٌ، والمسرى عقيدةٌ، ولن تكون الأمة بخيرٍ ما لم تستعد فلسطين وتسترجعها، وتعود إليها حرةً عزيزةً مستقلةً.

 

لهذه المبادئ السامية والمفاهيم الوطنية الصادقة، والثوابت العقدية الخالصة، والشعارات التاريخية الخالدة، يعمل مؤتمر فلسطينيي أوروبا، وينظم مؤتمره السنوي للسنة العشرين على التوالي، دون كللٍ أو مللٍ، أو يأسٍ وقنوط، رغم حملة التحريض ضده، ومحاولات تشويه دوره وتلويث هدفه، حيث يؤمن منظموه أن الفلسطينيين القاطنين في أوروبا يستحقون بذل الجهد من أجلهم، والعمل معهم، وتنسيق الجهود وإياهم، وتوجيه طاقاتهم وترشيد اهتماماتهم.

 

فهم في أوروبا باتوا عشرات الآلاف، وقد غدو في دولها طاقاتٍ فاعلةً، وكفاءاتٍ علميةً مميزة، وقدرات اقتصادية كبيرة، وكثيرٌ منهم يتمتع بجنسياتٍ أوروبية، تحميهم وتقويهم، وتمنحهم الفرصة أكثر للعمل من أجل بلادهم، والتضامن مع شعبهم، والمطالبة برفع الظلم معهم، ومساندتهم في قضيتهم وتأييدهم في نضالهم، وكلهم يرغب في أن يكون له دورٌ في النضال وسهمٌ في القتال، أياً كان شكل المقاومة ونوعها، فقد غدت المقاومة صنوفاً وأنواعاً، ولم تعد سلاحاً فقط وقتالاً في الميدان.

 

تلك هي المفاهيم التي يعمل مؤتمر فلسطينيي أوروبا على بعثها وإحيائها، وتكريسها وتثبيتها، وتطويرها وتنويعها، وقد شعر الفلسطينيون المقيمون في أوروبا، أن هذا المؤتمر يمثلهم ويعبر عنهم، ويعكس رغباتهم ويترجم مشاعرهم، فلبوا نداءه، واستجابوا إلى إعلانه، وأخذت أجيالهم تتوافد عليه منذ عشرين عاماً، واشترك أبناؤهم على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية وفئاتهم العمرية في كل المؤتمرات السابقة، التي حرص منظموه على أن يعقد دورياً في دولٍ مختلفة، ويطوفون به على كل العواصم الأوروبية، ليتسنى لجميع فلسطينيي أوروبا المشاركة فيه، والمساهمة في فعالياته، علماً أنهم يشاركون على نفقتهم الخاصة، ويأتون إليه من أقاصي أوروبا، يتكبدون المشاق، ويلاقون الصعاب، ويأخذون الإجازات، ويضحون بالوظائف والأعمال، بل ويقدمون ويتبرعون، ويساهمون في تغطية نفقات الانعقاد وبرامج العرض والتقديم.

 

مؤتمر فلسطينيي أوروبا مَكَّنَ الفلسطينيين المنسيين في أوروبا، والمهمشين قديماً من مرجعياتهم، من أن يكون لهم دورٌ وعملٌ، وساعد في تسليط الضوء على قدراتهم وإمكانياتهم، وكشف عن مواهبهم وطاقاتهم، وأظهر أنهم يستطيعون أن يساهموا في المقاومة وخدمة شعبهم ودعم صمودهم وترسيخ ثباتهم.

 

وساعد المؤتمر في حماية الهوية الفلسطينية، والدفاع عن الحقوق الوطنية، فبات العدو يخشاهم ويخاف منهم، فهم أقوياء في طرحهم، وصادقون في قضيتهم، ويحسنون التعبير عن معاناة شعبهم، وبيان مدى الظلم الواقع على أهلهم، وهم يتقنون اللغات الأوروبية، ويتمتعون بجنسيات بلادها المختلفة، وكثيرٌ منهم يتبوأ أعلى المناصب الحكومية والوطنية، وأفضل المراكز الاقتصادية وأكثرها تأثيراً وفعاليةً، وأصبحوا في المجتمعات الأوروبية صوتاً عالياً وعاملاً فاعلاً فيها، يؤثر سياسات حكوماتها، ويصوب قراراتها، ويدفعها لممارسة الضغط على الحكومات الإسرائيلية.

 

غريبٌ أمرهم ومستنكرٌ فعلهم، وفاضحٌ قولهم ومشينٌ نصحهم، وعيبٌ سعيهم ومشبوهٌ جمعهم، أولئك الذين يعترضون على مؤتمر فلسطينيي أوروبا، ويصفونه تارةً بأنه مؤتمر ضرار، وأخرى بأنه فتنة سياسية وانقلابٌ وانقسامٌ وشرذمةٌ، ويرفضون غيرة منظميه على قضيتهم، ويشككون في انتمائهم، ويتهمونهم في وطنيتهم، ويعيبون عليهم أنهم يهتمون بشؤون أهلهم، ويقلقون على مستقبل أجيالهم في أوروبا، ويصرون على حقهم في العودة إلى ديارهم، في الوقت الذي أهملوا فيه شعبهم، ولم يهتموا بشؤونه، وتركوه سنين طويلة وحده، وقد كان حرياً بهم، وهم يدعون أنهم المرجعية والممثل، أن يولوا أهلهم في دول أوروبا وغيرها الاهتمام المطلوب، لئلا تنحرف أجيالهم، ويضيع أبناؤهم، وتنحرف بوصلتهم، وتضل مجتمعاتهم.

 

مؤتمر فلسطينيي أوروبا أداةٌ نضالية وطنية جديدة، فهو منبرٌ متقدمٌ، ومنصةٌ عاليةٌ، وبرلمانٌ مفتوحٌ، وفسحةٌ دولية، وفرصة سانحة للتعبير عن الموقف الوطني الفلسطيني وتحصينه، وبيان هويته وحماية قضيته، وهو هيئةٌ وطنيةٌ جامعةٌ لشتات الفلسطينيين في أوروبا، تحافظ عليهم، وتثبت موقفهم، وتصون وحدتهم، وتوجه بوصلتهم، وتنظم جهودهم، وترفع صوتهم عالياً أمام المجتمع الدولي ومؤسساته السياسية والحقوقية والإنسانية.

 

والفلسطينيون في أوروبا يرونه خير من يعبر عنهم ويصون حقوقهم، ويدافع عنهم وينطق باسمهم، فهو لا يصنف المنتسبين إليه والمؤمنين به، ولا يفرق بينهم ولا يقصي أحداً منهم، ولا يحرم فريقاً أو يخون ويجرم طرفاً، بل يمنح الحرية للجميع ضمن الثوابت الوطنية، فلا يحتكر منبراً ولا يخمد صوتاً، ولا يصادر رأياً، فهل نتعاون معه ونساعده، ونؤيده ونسانده، أم نتعامل معه كما تعامل المشركون مع نبي الله إبراهيم عليه السلام فهلكوا ونجا، "فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّار إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ".

 

بيروت في 2/5/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhrxuBPCB6Y7hYP4myHFwdPmdZTkiXsV1P74FHMMtvpSQ%40mail.gmail.com.

Saturday, 29 April 2023

{الفكر القومي العربي} الموت أثناء الاستجواب شبهة وخلال التعذيب جريمة

الموت أثناء الاستجواب شبهة وخلال التعذيب جريمة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تستوقفني دائماً حوادث "الوفاة" داخل السجون الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، وأشعر بالكثير من الحزن والأسى لوقوعها، وهي للأسف باتت حوادث كثيرة ومتكررة ومحزنة ومؤلمة، ومثيرة للسؤال والاستغراب، وغالباً تطال الموقوفين أثناء التحقيق، وتحديداً خلال الأيام الأولى لتوقيفهم، وأحياناً بعد ساعاتٍ قليلة من دخولهم السجن، وقَلَّ أن تحدث وفيات بين المحكومين الذين تجاوزوا مراحل التحقيق والاستجواب.

 

إلا أنني –وغيري كثير- لا أصدق التقارير الصادرة عن الجهات الرسمية في المنطقتين، أو أشكك في صدقيتها وموضوعيتها ومهنيتها، ولا أقبل بها ولا أسلم بمبرراتها، حيث تتشابه التقارير الطبية التي تصدرها جهات الاختصاص الصحية، التي تعزو الوفاة غالباً إلى تعرض الموقوف لأزمةٍ قلبيةٍ مفاجئة، نتيجة انسداد شريانٍ أدى إلى توقف القلب، أو نتيجة لجلطة دماغية أو ذبحة قلبية، وغير ذلك من أسباب "الوفاة" المفاجئة، التي تشخصها اللجان الطبية وتصادق عليها وزارة الصحة، وتعتمدها السلطات الرسمية، الأمنية والسياسية.

 

كما أنكر على الجهات الرسمية مطالبتها وإلزامها أهل "المتوفى" خاصةً والشعب عامةً وهيئات حقوق الإنسان، واللجان والمؤسسات الحقوقية، بتصديق الرواية الرسمية الصادرة عن هيئاتها المختصة، واعتماد نتائجها وتعميمها وعدم التشكيك بها، وتستنكر إدانتها وتوجيه اللوم لها، وتعيب على من ينتقدها ويعارض فعلها، وترفض أن توجه أي اتهاماتٍ لها أو لعناصرها الأمنية التي أوقفت المتهم، أو لضباط التحقيق الذين أشرفوا على الاستجواب والتحقيق، أو للجهات الإدارية المشرفة على مراكز التوقيف ورعاية الموقوفين وحمايتهم.

 

لعله من الخطأ الجسيم السكوت على مثل هذه الحوادث، والقبول بها والتسليم بعفويتها، أو المساهمة في تضليل الناس وطمس الحقائق وإخفاء المعلومات عنهم، والتعمية على المتسببين بها والتستر عليهم وإعلان براءتهم، سواء كانوا عامدين وقاصدين، أو حدثت الوفاة قدراً خلال التوقيف، بل أرى أنه من الواجب علينا أن نسلط الضوء عليها إقراراً للعدالة، وصوناً للحقوق، وحفظاً لكرامة مواطنينا، وحماية للمقاومة، ومنعاً للتغول، ومحاربةً للظلم، وكفاً للظالم، وضرباً على أيدي المتجاوزين للقوانين والمعتدين على كرامات الناس وحقوقهم، وإلا فإن الكثير من هذه الحوادث ستتكرر، وستترك آثاراً كبيرةً على وحدة مجتمعاتنا وتماسكها، وستقود إلى تمزيق صفوفنا، وضعف حاضنتنا، وتخلي الكثير عن مقاومتنا.

 

فنحن جميعاً نعيب على العدو الإسرائيلي، الذي يحتل أرضنا ويغتصب حقوقنا ويدنس مقدساتنا ويعتدي علينا ليل نهار، إقدامه على قتل أسرانا وإعدامهم بوسائل شتى، ونتهمه بتعمد قتلهم أو الإهمال في علاجهم ومتابعة حالتهم الصحية مما يؤدي إلى وفاتهم، أو المبالغة في تعذيبهم والتضييق عليهم، وندين استخدامه وسائل خشنة وقاسية خلال عمليات التحقيق معهم، ونحمله والمجتمع الدولي كامل المسؤولية عن حياة أسرانا وصحة معتقلينا، ونعتبر أن ما يمارسه بحقهم جريمةً ضد الإنسانية، ينبغي أن يحاسب ويعاقب عليها.

 

مما لا شك فيه أنني لا أقارن بين الحالتين، ولا أدعي التشابه بينهما، فالفرق كبيرٌ جداً والمقارنة بينهما باطلة وفاسدة، فذاك عدو نتوقع منه دوماً الأسوأ والأقسى، ولا ننتظر منه مودةً ولا رحمةً، ولا يفرق في عدوانه ضدنا بين فلسطينيٍ وآخر، بل كل الفلسطينيين هم أعداؤه، أياً كان انتماؤهم وولاؤهم، وهو يتعمد المبالغة في تعذيب الأسرى والمعتقلين عموماً، ولا يعنيه أبداً إن هم قتلوا جراء التعذيب وأثناء التحقيق، أو نتيجة الإهمال الطبي والمعاناة من الأمراض المستعصية.

 

لكننا نعيب وبشدة على السلطات الفلسطينية، التي تدير شؤون الناس وتعنى بهموم المواطنين، وتقود الشعب وتنظم شؤونه وتدعي المسؤولية عنه، قبولها بمثل هذه الحوادث التي لا يراها الشعب عادية، ولا ينظر إليها على أنها طبيعية، ونستنكر استخفافها بالعقول وتبسيطها للحوادث، فحالات الوفاة في أغلبها ليست عادية أو نتيجةً لأسباب طبيعية، بل هي قطعاً نتيجة التعذيب الشديد والضرب العنيف، وقد ثبت أن بعض الموقوفين قد توفوا نتيجة ضربهم بعتلاتٍ حديدةٍ وبسلاسل معدنيةٍ ثقيلةٍ، وبسياطٍ مغلظةٍ، فضلاً عن الضرب بالعصي والهراوات والأدوات الحادة، التي تصيب مناطق حساسة من الجسد في الرأس والصدر والبطن، ما يؤدي إلى حدوث حالات وفاة سريعة.

 

أمام هذه الوقائع المتكررة والحقائق الثابتة، نرى أن على السلطات الحاكمة، وهم أولياء الأمر، أن تقف عند مسؤولياتها، وأن تكون أمينة على حياة شعبها ومصالح أبنائها، وأن تضبط بقوةٍ وحزمٍ أداء الشرطة وعمل الأجهزة الأمنية، وأن تعاقب المتجاوزين، وتحاسب المخالفين، وأن تخضع العاملين في قطاع السجون ومراكز التحقيق والاستجواب إلى دوراتٍ خاصةٍ، تؤهلهم فيها إنسانياً بنفس القدر الذي تؤهلهم فيها مهنياً، وأن تلجأ في عمليات التحقيق إلى وسائل أخرى، دقيقة وحازمة ومضبوطة، تتوخى من خلالها الوصول إلى الحقيقة، في الوقت الذي تحفظ فيه كرامة الإنسان، وتصون حياته، وتحفظ سمعة وشرف وماء وجه أهله.

 

وعلى السلطات الحاكمة أيضاً أن تسهل عمل لجان الرقابة والتفتيش، وأن تسمح للجان حقوق الإنسان والمؤسسات المدنية، بإجراء تحقيقاتٍ مستقلة، وتوجيه مساءلة قانونية للمتورطين في مثل هذه الحوادث، وينبغي عليها  ألا تكون لينة أو متساهلة مع كل من يتجاوز القانون، أو يفرط في استخدام القوة، أو يلجأ إلى ممارسة التعذيب الشديد، فبعض المسؤولين مهوسون أمنياً ومرضى سيكولوجياً، ويظنون أنهم يحققون مع عدوٍ، ويستجوبون جواسيس وعملاء، مع التأكيد على مبدأ المهنية في التحقيق، والعدالة في الإجراءات، والإنسانية في التعامل مع أي موقوفٍ أياً كانت تهمته وجريمته، إلى أن يحال إلى المحكمة التي يؤمل فيها أن تصدر في حقه الحكم المناسب والجزاء العادل.

 

إلا نقوم بذلك ونحرص على الحق والعدل، والمساواة والإنصاف، ومحاسبة المخطئين ومعاقبة المتورطين، وإقصاء الفاسدين، وإبعاد المرضى والمهوسين، فإننا نغضب الله عز وجل ونستحل لعنته، ونخسر شعبنا، ونفقد حاضنتنا، ونضعف قاعدتنا، ونفض الناس من حولنا، ونؤسس للحاقدين علينا والكارهين لنا، ونمكن للعدو فينا، فنحن أقوياء بطاعتنا لله عز وجل وصدقنا معه سبحانه وتعالى، وبعدالة قضيتنا، وقدسية بلادنا، وطهر مقاومتنا، ووحدة شعبنا، وصفاء نفوسنا، وتواضعنا لبعضنا، وذلتنا فيما بيننا وعزتنا على عدونا.

 

بيروت في 30/4/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhGMd-bSd64zhGdBEmHzxwepMXZOuXtqpy8%2BQjRczZfeQ%40mail.gmail.com.

Friday, 28 April 2023

{الفكر القومي العربي} يوم الاستقلال قلقُ الوجود وشكوك البقاء

يوم الاستقلال قلقُ الوجود وشكوك البقاء

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

حاول الكيان الصهيوني في الذكرى الخامسة والسبعين لما يسمى بـــ"يوم الاستقلال" استعراض قوته، وإبراز تفوقه، والكشف عن أسلحته، وإظهار قدراته القتالية العالية وإمكانياته الهجومية المتطورة، في ظل أجواء عصيبة لا تقوى على إخفاء القلق، وتبديد الخوف، وطمس الحقائق الجديدة، وإلغاء التحديات المتزايدة، ولا تتمكن من طمأنة المستوطنين الذين بات ينتابهم قلقٌ شديدٌ على مستقبل وجودهم، ومدى بقائهم في "أرض الميعاد"، التي كانوا يظنون أنها ستكون لهم إلى الأبد أرض المن والسلوى وبلاد والسمن والعسل، يسودها الأمن وتتمتع بالسلام، لكنهم وبعد مضي خمسٍ وسبعين سنة لم يتمكنوا من جلب الأمن لهم، ولا خلق الاستقرار لكيانهم، وعجزوا عن رد القتل عن أنفسهم، ودفع الخوف عنهم.

 

حاول الكيان الصهيوني المهزوزة حكومته والمرتبك أعضاؤها، والمتورط رئيسها، والمرتعش جيشه والعاجزة قيادته، أن يرسل من خلال استعراض القوة الجوية والكشف عن الأسلحة المدمرة وتقنيات الحرب الحديثة، مجموعة من الرسائل المتعددة الاتجاهات والمختلفة العناوين، ظاناً أنه يستطيع من خلال الاستعراضات البهلوانية والأسلحة الخلبية ومجموعات المحتفلين المتناثرة، التي اشتبكت فيما بينها، وتبادلت السباب والشتائم، ورددت شعاراتٍ متناقضة، أن يذر الرماد في العيون، وأن يعميها عن رؤية الحقائق وقراءة الواقع، وأن يخدع الجميع بقوته وقدرته، وتفوقه وتطوره، وأن يظهر ثقته بنفسه واطمئنانه إلى إمكانياته.

 

ربما كانت رسالته الأولى موجهة إلى مستوطنيه الذين باتوا يظهرون خوفهم، ولا يقوون على الوقوف على أقدامهم، ولا تشجعهم الظروف الجديدة على الاستمرار في مشروعهم والثبات في مستوطناتهم، فالتحديات باتت أكثر من قدرتهم على الإحساس بالأمن والاستقرار والاستمتاع بالدعة والسلام، فالخطوب باتت تحدق بهم من الداخل والخارج، وتهدد وجودهم ووحدتهم، فلا استقرار سياسي يطمئنهم، ولا حكومة عاقلة ترشدهم، ولا رئيس حكومةٍ صادقٍ يقودهم، ولا جيش متفوق يطمئنهم، ولا رخاء اقتصادي يغريهم أو استقرار مالي يشجعهم، الأمر الذي أخذ يجعلهم يشكون في أنفسهم، ويقلقون على مستقبلهم، ويخشون على مصيرهم وعاقبة أمرهم.

 

لكن المستوطنين الإسرائيليين الذين تفضحهم الدراسات والاحصائيات، وتكشف عن حقيقتهم الاستبيانات والاستقراءات، تؤكد أن قرابة مليون مستوطنٍ منهم يعيشون خارج الكيان، وأن الكثير منهم لا يفكرون في العودة، ولا يخططون للمستقبل في كيانهم، ولا يطمئنون فيه على مستقبل أبنائهم، بل يفعلون جنسياتهم الأصلية، ويبنون المشاريع في بلادهم الأم التي منها هاجروا وآباؤهم، وهذا الأمر لا يقتصر على المستوطنين فقط، بل يمتد ويطال قادتهم وزعماءهم الحزبيين والعسكريين والسياسيين، ولعل رئيس حكومتهم الأسبق نفتالي بينت أوضح مثالٍ على ظاهرة فقدان الثقة في كيانهم، فهو أول الراحلين عملاً واستثماراً وربما استقراراً لعائلته في الولايات المتحدة الأمريكية التي منها جاء إلى فلسطين غازياً ومستوطناً.

 

كما تظهر الدراسات أن ملياراتٍ من الدولارات هربت من الأسواق التجارية ومن البنوك وبيوت المال، وأن مئات المشاريع الاقتصادية قد أغلقت، والكثير من البرامج والخطط قد جمدت، وأن البنوك باتت تشتكي وتظهر قلقها ولا تخفي مخاوفها من تداعيات الأزمات العديدة التي تعصف بالكيان، فهروب الرساميل الكبرى، ورحيل كبار المستثمرين، وتفكك الشركات المتعددة الجنسيات، والمخاوف المتزايدة من انهيار النظام القضائي وضعف الرقابة الاقتصادية مقابل تغول السياسيين، برلماناً وأحزاباً، بات رعباً يلاحق الإسرائيليين عموماً، ويقلق أرباب المشروع الصهيوني، فرأس المال اليهودي الذي لعب دوراً رئيساً في حياة الإسرائيليين، هو أحد أهم ركائز المشروع الصهيوني.

 

أما رسالة يوم الاستقلال الإسرائيلي الأخرى فقد كانت موجهة للمحيط القريب والجوار البعيد، ولقوى المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعربية عموماً، بقصد إرهابها وتخويفها، وردعها وصدها، ودفعها لليأس والقنوط، وعدم التفكير في مقاومة كيانهم وتهديده، فقد أرادوا القول لهم أن كيانهم أقوى من التهديد، وأثبت من المقاومة، وأعمق جذوراً في الأرض من أن تقتلعه قوة أو تفكك بنيانه دولة أو جماعة.

 

وأن مناؤيه يخسرون أمامه، ولا يستطيعون مواجهته، وأنهم سيدفعون الكثير من حياتهم ومن مستقبل أجيالهم، قبل أن يحققوا أهدافهم أو يصلوا إلى غاياتهم، ولهذا فإن عليهم أن يكونوا عقلاء منطقيين، يحكمهم العقل ويضبطهم الرشد، وتسيرهم المصلحة وتقودهم المنفعة، ويسلمون بالأمر الواقع ويقبلون بالكيان ويعترفون بشرعيته، ولا يعاندون الواقع ولا يواجهون القوة،  وإلا فإنهم سيخسرون ما بقي بين أيديهم، وسيحرمون مما تعدهم به حكوماته وتمنحه لهم سلطاته.

 

لا يبدو أن احتفالات يوم الاستقلال المبالغ فيها، ومظاهر القوة الزائفة، واستعراضات العظمة الكرتونية، تستطيع أن تطمئن الإسرائيليين وتريحهم، أو تتمكن من تبديد خوفهم واستكانة نفوسهم، أو أنها ترقى لأن تهدد المقاومة وتضعفها، أو تخيفها وتربكها، أو تكوي وعيها وترعبها، فهذه الرسائل قد فقدت مضمونها وأخطأت عنوانها، وهي لن تفي بالغرض ولن تؤدي المطلوب، ولعلها حققت نتائج مغايرة وأخرى غير مرجوة، فلا كيانهم استقر، ولا مستوطنوهم أمنوا، ولا حلفاؤهم عليهم اطمأنوا، ولا المقاومة خافت، ولا أصحاب الأرض وحملة السلاح، والثابتون في الأرض والمتمسكون بالحق، قد جبنوا وخافوا، وسلموا واعترفوا، بل خسر الأوائل وانكفأوا، وتراجعوا وضعفوا، ونهض الأواخر واستعلوا، وكسبوا وتفوقوا، وتضاعفت قوتهم وتعمقت مقاومتهم، واتحدت ساحاتهم واتفقت جبهاتهم.

 

بيروت في 28/4/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

 

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhSKprhvemVBhLMAjbZDPWOTETWBPa_d4HRRWai6KhgVA%40mail.gmail.com.

Friday, 7 April 2023

{الفكر القومي العربي} التضييقُ على المصلين وحرمانُهم من مسجدهم سياسةٌ إسرائيليةٌ ثابتةٌ

التضييقُ على المصلين وحرمانُهم من مسجدهم سياسةٌ إسرائيليةٌ ثابتةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يخطئ من يظن أن الفلسطينيين كانوا على مدى العقود الماضية، يعيشون في ظل سياسات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك أياماً ورديةً وسنواتٍ زهريةً، وأنهم كانوا يتمتعون بكامل حقوقهم المدنية والدينية في المدينة والمسجد، وكانوا يدخلون المسجد دون عقبات، ويصلون فيه دون إزعاجٍ، ويعتكفون فيه متى أرادوا، كيف لا وحكومات الكيان الصهيوني تعلن دائماً أنها دولة ديمقراطية، وأنها تحترم الأديان، وتحرص على حرية العبادة، وتحافظ على الوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس والمسجد الأقصى، ولا تسعى لتغييرهما، أو فرض وقائع جديدة فيهما، وترفض محاولات المساس بحرية المصلين أو التدخل في طقوسهم الدينية.

 

الحقيقة هي غير ذلك تماماً، فمعاناة الفلسطينيين في مدينة القدس والمسجد الأقصى لم تبدأ هذا العام فقط، ولم تفرض عليهم هذه الشروط القاسية في ظل هذه الحكومة بالذات، التي تشارك فيها الصهيونية الدينية بقطبيها المتشددين، اللذين لا يترددان في التعبير عن مواقفهما العدوانية والتصريح عن سياساتهما المتطرفة تجاه الفلسطينيين عموماً، علماً أنهما، بن غفير وسموتريتش، يعبران عن سياسة الحكومة كلها، ويمثلان رئيسها الذي يؤمن بأفكارهما ويتبنى سياستهما، ويدعم من خلال المصادقة على اتفاقياته معهما ما يقومان به من إجراءاتٍ قاسية بحق الفلسطينيين، بل ويشجعهما عليها ويدافع عنهما ويحميهما.

 

فالشعب الفلسطيني يعاني منذ احتلال الشطر الشرقي لمدينة القدس، ودخول جيش العدو إلى باحات المسجد الأقصى عام 1967، من ممارسات سلطات الاحتلال القاسية بحقهم، التي لم تُخفِ منذ اليوم الأول لدخولها المدينة والمسجد، نيتها توحيد مدينة القدس، وإعلانها عاصمة أبدية موحدة لكيانهم، وعزمها طرد الفلسطينيين منها، وحرمانهم من حقهم في الإقامة والعمل فيها، وفي المقابل باشرت بمصادرة أراضيهم وبنت عشرات المستوطنات عليها، وضاعفت أعداد المستوطنين فيها، وخططت لبناء مدينة القدس الكبرى على حساب الأحياء العربية فيها، ونقلت إليها كافة مؤسساتها السيادية، وطالبت دول العالم المختلفة بنقل سفاراتها إليها.

 

لم يشعر الفلسطينيون يوماً منذ الاحتلال حتى اليوم بأي شكلٍ من أشكال الراحة والاطمئنان في مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، فهم دائماً يعانون من ممارسات الجيش والشرطة، ويتأذون كثيراً من استخدامها للقوة المفرطة ضدهم، فقد قتل على أيديهم مئات الفلسطينيين من الرجال والنساء والأطفال في باحات المسجد الأقصى وعلى بواباته، قبل وبعد أن عدلت الحكومة الإسرائيلية من ضوابط استخدام القوة ومعايير إطلاق النار على الفلسطينيين، حيث أصبحت عناصر الشرطة وجنود الجيش يطلقون النار ببساطةٍ ودون وجود مبررات ومسوغاتٍ لذلك، ما أدى إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين، وترك المصابين منهم على الأرض ينزفون لساعاتٍ طويلة، دون السماح بتقديم أي إسعافاتٍ لهم، مما يؤدي غالباً إلى استشهاد العديد منهم.

 

كما يشتكي الفلسطينيون من استفزازات المستوطنين وغلاة المتشددين، الذين لا يتوقفون عن محاولات اقتحام المسجد وانتهاك حرمته، وتدنيسه وتأدية طقوسهم فيه، وهم لا يكتفون بالزيارة التي يدعون، بل باتوا يطالبون باقتطاع أجزاء منه، والصلاة فيه، وأداء السجود الملحمي، وأخيراً باتوا يخططون إلى تقديم القرابين وذبح "السخلان" فيه، وخلال عمليات الاقتحام التي يرعاها الجيش وتحميها الشرطة وتنظمها الحكومة، لا يترددون في إطلاق النار على الفلسطينيين، بحجة تعرضهم للخطر، أو اشتباههم بأن بعضهم يحملون سلاحاً أو أدواتٍ حادةً قد تعرض حياتهم للخطر.

 

ويتألمون كثيراً من ممارسات سلطات الاحتلال التي لا تسمح لهم بحرية الدخول إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه، رغم علمهم أنه يعتبر في دينهم الإسلامي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأن القرآن الكريم قد نص عليه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حض على شد الرحال إليه، بياناً لمكانته وتأكيداً على قدسيته، ورغم ذلك فإنهم يتعمدون وضع العراقيل أمامهم، وفرض الشروط عليهم، والحيلولة دون وصولهم إلى مدينة القدس تمهيداً للدخول إلى المسجد.

 

علماً أن المصلين لا يشكلون خطراً عليهم، ولا يحملون سلاحاً يهددهم، ولا يغادرون صحن المسجد أو باحاته، إلا أن سلطات الاحتلال تتهمهم وتحاربهم في طقوسهم الدينية السلمية، وتضيق عليهم وتمنعهم من أدائها، وتعتدي عليهم بالضرب والإساءة، وتهين المصلين، وتركل الساجدين، وتدوس على أجسادهم، وتطلق عليهم قنابل الغاز المسيلة للدموع، التي تكاد تخنقهم بالنظر إلى أن المسجد مغلق، والغاز المسيل للدموع يبقى فيه مركزاً وقد يخنقهم. 

 

يدرك الفلسطينيون أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تريد انتزاع المسجد الأقصى منهم، وتتطلع إلى أن تستولي عليه وحدها دونهم، فهم يرونه جبل الهيكل، والمكان الأكثر قدسيةً بالنسبة لهم، ولعلها غير نادمة على حرقه بل تتمنى زواله، وهي وإن كانت تعلن أنها تسعى إلى تقسيمه مكانياً وزمانياً، فهي تتطلع إلى أخذه بالكامل والسيطرة عليه كلياً، ولكنها تريد أن تتدرج في الأهداف، وأن تمهد لها خشية الصدمة وردود الفعل العنيفة من الفلسطينيين خصوصاً ومن العرب والمسلمين عموماً.

 

لكن هبة الفلسطينيين وصمود المقدسيين، وردود فعل العرب والمسلمين، وموجات الغضب المتصاعدة، وتزايد عمليات المقاومة، والتهديد بقصف الكيان وفتح الجبهات المتعددة ضده، وحدها التي ستدفع حكومة الكيان إلى التراجع والانكفاء، حيث لا يردعه شيءٌ كالقوة، ولا يجبره شيءٌ على التراجع سوى ارتفاع الكلفة، ولا يدفعه إلى تحريك الوسطاء وطلب المساعدة سوى إحساسه أن المقاومة جادةٌ، وأن قرارها ناجزٌ، وأن سلاحها جاهزٌ وقادرٌ.

 

بيروت في 8/4/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjCoa62RBKJ4tLfQ74Jjb9JTnE%2Bzk7nBtar%2BYHR7789_w%40mail.gmail.com.

Monday, 3 April 2023

{الفكر القومي العربي} في يوم القدس العالمي الضفةُ درعُ القدس

في يوم القدس العالمي الضفةُ درعُ القدس

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

وفق الله عز وجل منظمي فعاليات يوم القدس العالمي لهذا العام لاختيار شعار "الضفة درع القدس"، ليكون هو الشعار الجامع لكل الأنشطة والفعاليات المنوي عقدها وإقامتها في مختلف الساحات، ولتكون بمدنها وبلداتها وقراها ومخيماتها محل اهتمام الأمة العربية والإسلامية ومحط أنظارها، إذ سيُرفع اسمها في فعاليات يوم القدس العالمي على مستوى العالم كله، وستُرسم خارطتها، وسيُحدد مكانها، وسيُذكر أهلها وسُيعرف أبطالها، وستُسلط الأضواء على تاريخها، وعلى العمليات الجهادية التي قام بها مقاوموها، وسيعرف المسلمون في كل مكانٍ قدرها ومكانتها، ودورها وأهميتها، وثباتها وصمودها، ومقاومتها ونضالها، وتضحياتها وعطاءاتها، ومعاناتها وآلامها.

 

وسيعلمون من خلال فعاليات يوم القدس العالمي التي ستجوب دول العالم كله، أنها ليست مجرد أرض ومساحة جغرافية، وإن كانت لا تختلف عن غيرها جبالاً وهضاباً، وسهولاً ووهاداً، وزروعاً وأشجاراً، وإنما هي أرض مباركةٌ مقدسةٌ، عَزَّ سكانها، وشَرُف أهلها، وسما ذكر رجالها، وتخلدت سير من عاشوا فيها وعمروها، فهي أرض الأنبياء وموطن الرسل عليهم السلام، إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وغيرهم ممن ورد ذكرهم في الكتب السماوية وفي الروايات التاريخية، وفيها تتربع مدينة القدس بأقصاها ومسراها، وقبة صخرتها المشرفة ومعراج رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إلى السموات العلى.

 

جزى الله منظمي فعاليات يوم القدس العالمي خير الجزاء، الذين أطلقوا على الضفة الغربية هذا الاسم، وأرادوه شعاراً عاماً وإطاراً موحداً، تلتقي عليها الجهود وتتوافق حولها الطاقات، فهي بحق تستحق هذا الوصف، وتستأهل بجدارة هذا اللقب، فقد أثبتت في السنوات الأخيرة أنها قلب فلسطين النابض، وجمرتها المتقدة التي لا تخبو، ونارها المشتعلة التي لا تنطفئ، وثورتها المستمرة التي لا تضعف، ومقاومتها الأبية التي لا تلين، ورجالها الأبطال الذين لا يخافون، وأهلها الكرام الصابرون الذين لا يجزعون، وشبانها الشجعان الذين يهبون للثأر ولا يتأخرون، ويعجلون في الانتقام ولا يترددون.

 

ضفة الفلسطينيين الغربية التي ظنها العدو أنها أصبحت غنيمةً له، وأرضاً سائبةً سهلةً له، يقتسمها كقطعة جبن، ويقطعها بسكينه كالزبدة الطرية، ويضطهد أهلها ويصادر أرضهم، ويقتل رجالها ويعتقل أبناءهم، ويزيد فيها مستوطناته ويضاعفها، ويوسع على مستوطنيه ويضيق العيش على أهلها، فوجئ بها تنهض من تحت الرماد جمراً لاهباً، وتهدم الجدران وتقتحم الحواجز والأسوار كطوفانٍ ثائرٍ، ويخرج أبناؤها من أكمامها كماةً يقاتلون، وأبطالاً يقاومون، وكتائب يشكلون، وعملياتٍ بطوليةٍ ينفذون، وإلى عمق الكيان يصلون، وأكباده يفتتون، وقلوب مستوطنيه يُحَسِّرون.

 

"الضفة درع القدس" بحقٍ، وتستحق هذا الوسام بشرف، فرجالها ونساؤها إلى المسجد الأقصى يشدون الرحال، وفيه يرابطون وعنه يدافعون، وفي سبيله يجاهدون وفي رحابه يستشهدون، ودوماً يلبون نداء القدس كما مسجدها، ويهبون لنجدة أهلها وبلداتها، فما قصروا يوم أن اندلعت معركة "بوابات المسجد الأقصى"، ولا سكتوا عن إجراءات سلطات الاحتلال التي حاولت منعهم من الوصول إلى المسجد والصلاة فيه، فعملوا المستحيل وتحدوا العدو وقهروه، وواجهوه وغلبوه، ونقبوا الجدار ومنه دخلوا، ونبشوا الأرض وتسلقوا الأسوار، حتى غدوا مئات الآلاف في بهو المسجد وباحاته.

 

لا يغيب أهل الضفة الغربية عن معارك القدس أبداً، ولا يتركونها وحدها في مواجهة المحتل الذي يهودها ويشطب هويتها، ويطرد أبناءها ويهدم بيوتها، ويغتصب حقوقها ويصادر ممتلكات أهلها، بل يقفون معها ويساندونها، وينبري إليها أبناؤها لنصرتهم والعمل معهم، ويهبون لنجدتها ليكونوا فعلاً درعها الحامي وقوسها الضارب، فهي تحتضن القدس وتحيط بها من كل مكانٍ، وهي تحميها وكأنها جنينها الذي تحمله في أحشائها، وتمده بكل أسباب القوة والحياة.

 

يغتاظ العدو مما تفعله الضفة الغربية، التي تفتدي القدس وتحميها، وتضحي من أجلها وتصونها، فنراه يحقد عليها ويصب جام غضبه على أهلها، ويحاول القصاص منهم والتضييق عليهم، وقتل أبنائهم وإعدام مقاتليهم، وهو لا ينفك يحاول تفكيك مجموعاتهم وهزيمة كتائبهم، ويعمل بكل السبل الممكنة لتجفيف منابعهم ونزع سلاحهم، وإحباط جهودهم وإنهاء مقاومتهم، لكن أبناء الضفة الغربية، وجلهم من الشبان والفتيان، الذي يضجون قوةً وحيوية، وتغلي دماؤهم غيرةً وحماسةً، يصدون العدو ويتحدون إرادته، ويجددون مقاومتهم كلما ضربت، ويعيدون تنظيم صفوفهم كلما تفككت، ويتجدد مقاتلوهم بدماءٍ شابةٍ قويةٍ، صلبةٍ وعنيدةٍ، تحبط العدو وتحزنه، وتعيد الأمل إلى الشعب وتفرحه.

 

مجدداً شكراً للجنة إحياء يوم القدس العالمي، التي عودتنا دائماً أن تبتكر في شعارتها، وأن تجدد في عناوينها، وأن تختار ما يناسب المرحلة ويخدم الأمة، وأن تطلق ما يقلق العدو ويربكه، فكما كان الشعار هذه السنة "الضفة درع القدس"، فقد سبقت شعاراتٌ معبرةٌ وعناوين لافتة، كان لها أثرها ودورها في تحفيز الأمة وتحشيد طاقاتها، فكان "القدس هي المحور"، و"القدس أقرب"، و"أوفياء للقدس"، و"الشهداء درب القدس"، و"القدس لنا"، و"سنصلي في القدس"، وغيرها من الشعارات التي نظنها تخدم القدس وأهلها، وتحفز الأمة كلها، وصولاً إلى اليوم الذي نلتقي فيه جميعاً في القدس، ونصلي صلاةً جامعةً في المسجد الأقصى المبارك.

 

بيروت في 4/4/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojj_DVL-G__FeNoWNuNUSQO%2BH7E1kcWPz4Z7%3D6ZCRy3e0Q%40mail.gmail.com.

Saturday, 1 April 2023

{الفكر القومي العربي} العصيبي شهيد القدس والأقصى والشرف والكرامة

العصيبي شهيد القدس والأقصى والشرف والكرامة

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

جمع باستشهاده أطراف المجد كله، وسما إلى العلياء وحده، وطرق بشهادته الطبية أبواب الجنان العلية، وارتقى بشبابه درجاتها طبيباً، والتحق بركب السابقين من الشهداء والنبيين والصديقين شهيداً، وقد نسج بدمائه الطاهرة خيوط فجر الكرامة، وعقد بروحه ألوية النصر والنخوة، وأعلى بإقدامه معاني الغيرة والشرف والثورة والغضب، فكانت شهادته جامعة لكل معاني الخير وبشائر النصر، وتفيض بسيما المروءة والشهامة والرجولة والشرف، فحق له أن يمتاز بها ويختال، ويتفرد بها ويتيه، فقد ارتقى شهيداً في يوم الجمعة المبارك وفي نهاية عشر الرحمة من شهر رمضان الفضيل، في القدس الشريف ومسجدها الأقصى المبارك.

 

محمد خالد العصيبي شهيدٌ ليس كأي شهيدٍ، فقد جمع من الصفات والخلال ما لا تجتمع في شهيدٍ واحدٍ، فقد قتله اليهودُ، أعداءُ الله ورسوله والمؤمنين، قتلةُ الأنبياء والصالحين، المحتلون الغاصبون المعتدون، الصهاينة العنصريون الفاشيون، الذين يحتلون أرضنا، ويقتلون أهلنا، ويشردون شعبنا، ويعتقلون أبناءنا، ويدنسون مقدساتنا، وينتهكون كرامتنا، ويسلبوننا حقوقنا، ويصادرون أرضنا، ولا يتوقفون عن ارتكاب المجازر الدموية ضدنا، ولا ينهاهم عن أفعالهم الخبيثة خُلُقٌ أو قانونٌ، ولا دولةٌ أو نظامٌ.

 

وقد قتلوه غيلةً وغدراً، وفتحوا عليه النار حقداً وغيظاً، وأطلقوا عليه عشرين رصاصةً إمعاناً في الكره والضغينة، وكأن رصاصةً واحدةً لا تكفي لقتله، رغم أنه كان قريباً منهم، وعرفوا أن الرصاصة الأولى أصابته واستشهد، لكنهم رأوا فيها شباباً وحيويةً، وقوةً وإقداماً، وشجاعةً وعنفواناً، وغيرةً وغضباً، وساءهم أن يثور لامرأة، وأن يغضب لأجلها، وأن يهب لمساعدتها ورد الظلم عنها، وفض جمع الجنود الذين تكاثروا عليها، وأمعنوا في التضييق عليها والإساءة إليها.

 

صب جنود الاحتلال عليه جام غضبهم وسواد قلوبهم، وفتحوا عليه فوهات بنادقهم، وكأنهم يواجهون جبهة ويقاتلون كتيبة، فقد عرَّى أخلاقهم، وكشف زيفهم، وأظهر عنصريتهم، وفضح حضارتهم، ودونية أخلاق جيشهم، وانحطاط مناقبية جنودهم، إذ يعتدون وهم جمعٌ كالقطيع على امرأةٍ مسالمة، لا تحمل سلاحاً ولا تهدد حياتهم، لكن جريمتها عندهم كانت أنها قصدت المسجد للصلاة، ويممت وجهها للأقصى تريد زيارته.

 

قتلوه بدمٍ باردٍ، وأعدموه عن قصدٍ ونيةٍ، وتكاثروا عليه واشتركوا في تصفيته، ثم كذبوا في روايتهم ليبرروا جريمتهم، والحرُ أبداً لا يكذب، يقول الحق ولو كان فيه حَزُ عنقه، لكنها أخلاق العبيد التي يرسفون بها قديماً وما زالوا، وشيم الغدر التي عليها نشأوا، إنهم جبناء يخافون، وأنذال يكذبون، إذ قالوا أنه حاول اختطاف مسدس أحد الجنود، مما عرض حياتهم للخطر واضطرهم لإطلاق النار عليه لتحييده، ولكن الشهود كذبوهم، والكاميرات التي سجلت ووثقت لطمتهم على وجوههم ودحضت روايتهم.

 

إنه شهيدٌ مميزٌ جامعٌ لطيب الخصال وحميد الخلال، إذ استشهد في مدينة القدس، وعلى أبواب المسجد الأقصى المبارك، وقد نوى الصلاة والاعتكاف في رحابه وباحاته، وعزم على الدفاع عنه أمام قطعان المستوطنين وصد محاولات اقتحامه، وهو الذي كان قلبه يتفطر وهو يرى المستوطنين يقتحمون المسجد، وينتهكون حرمته، ويدنسون طهره، ويحاولون انتزاعه من الفلسطينيين وحرمانهم منه، فقد هوى قلبه إليه، وتطلع إلى زيارته، وهو الغائب عنه بعيداً وطويلاً، إذ شغلته دراسة الطب وأبعده السفر، لكنه ما نسي أبداً أن أسراه حزين، وأن أقصاه أسير، وأنه جريحٌ يئن، وحزينٌ يشكو عجز العرب وهوان المسلمين.

 

إنه الشهيد الطبيب الشاب العائد إلى أرض الوطن بعد سنواتٍ قضاها يدرس ويتعلم، لكن الغربة لم تنسه وطنه، ولم تغربه عن قدسه، ولم تحرمه من الحنين إلى الأقصى، بل عاد إلى بلدته حورة وعيونه ترنو إلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشد الرحال إليه مع لفيفٍ من أهل بلدته، الذين تعاهدوا ككل أهلنا في الأرض المحتلة، أن يكونوا حراساً للمسجد الأقصى وحماةً له، وأن يرابطوا فيه ويدافعوا عنه، فلبى النداء وشد الرحال وهو يمني نفسه بدخوله والصلاة فيه، وما علم أنه سيلقى ربه مدافعاً عن عرض فلسطينية، وسيضحي بحياته ذوداً عن شرف امرأةٍ وحياض شعبٍ.

 

إنه ابن بلدة حورة في النقب المنسي، الذي بدأ بن غفير عهده بزيارته، وشكل حرسه الوطني ليتغول عليه ويقمع سكانه ويصادر أرضهم، ويطردهم من ديارهم، ولكنه كما ابن النقب الشهيد محمد القيعان أراد أن يقول لسلطات الاحتلال ووزير أمنه القومي الجديد، أن سكان النقب جميعاً بدوٌ عربٌ أقحاحٌ، وأنهم مسلمون ملتزمون بدينهم ومتمسكون بوطنهم، وأنهم لن يتخلوا عن أرضهم ولن يفرطوا في حقوقهم، وستبقى عيونهم ترنوا إلى القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، فسلام الله عليك محمد، وسلام الله على أهل بلدتك حورة، وإلى النقب وبلداته، وإلى حوارة وبلدات نابلس وعموم فلسطين كل التحية والتقدير.

 

 

بيروت في 2/4/2023

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjhovmxuCkCzcRdJvDSkWqi%2B5Qk%3Do7JpeezQfS17oV3MvA%40mail.gmail.com.