Saturday, 15 January 2022

{الفكر القومي العربي} صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "2" الأصالة البدوية والوطنية الفلسطينية

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "2"

الأصالة البدوية والوطنية الفلسطينية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يحافظ السكان العرب في صحراء النقب الفلسطينية على الأسماء العربية لمناطقهم، فلا يستبدلون أسماء مدنهم وقراهم بأسماء عبرية يهودية، وإن حاول العدو فرضها، ولا يقرون بالتقسيمات الإدارية والحدود البلدية التي تفرضها السلطات المدنية الإسرائيلية، ويصرون على تقسيماتهم القديمة، وحدودها المعروفة، وهي تلك التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، والتي كانت لهم لقرونٍ طويلة إبان الدولة العثمانية، التي منحت عشائرهم مساحاتٍ كبيرة من الصحراء، وكافأت زعماء القبائل وذوي الشهداء الذين قتلوا في حروب تركيا العديدة، حيث كانت الدولة العثمانية في حاجة إلى استرضاء زعمائهم وشراء ولائهم لها، أو إسكاتهم وعدم خروجهم عليها، وبقيت هذه الامتيازات في ظل الانتداب الإنجليزي لفلسطين، حيث حافظت العشائر على أهميتها وقوتها، وحظوظها وامتيازاتها، في الوقت الذي سادت فيه روح التنافس فيما بينها.

 

يتجاوز عدد السكان العرب اليوم في صحراء النقب أكثر من 325 ألف نسمة، يشكلون أكثر من نصف عدد سكانها الكلي، ويمثلون ثلث سكان المنطقة الجنوبية حسب التقسيمات الإدارية والعسكرية الإسرائيلية، ويتوزعون على أكثر من عشرة مدنٍ أكبرها مدينة بئر السبع التي تعتبر عاصمة النقب الإدارية، ومركز الولاية العثمانية القديمة، وراهط التي تمثل عمق السكان العرب وهويتهم البدوية التي تميزهم عن غيرهم، وتضفي عليهم طابعاً خاصاً مخالفاً لغيرهم لجهة اللهجة ولون البشرة واللباس.

 

يعتز البدو الفلسطينيون بأرضهم، ويتمسكون باقطاعاتهم القديمة والموروثة، ولا يفرطون بشبرٍ منها أياً كانت المخاطر والتحديات، فالأرض بالنسبة لهم هي الهوية والشرف، وهي العائلة والنسب، وهي محل الفخر ومحط التيه، وهي مناط التنافس وعامل التمايز، فضلاً عن أنها الكلأ والماء والمرعى.

 

ومن المعيب على الرجل أن يفقد أرضه أو أن يتخلى عنها وداً أو غصباً، رضاً أو كرهاً، فهي بالنسبة له الثوب الذي يستره، واللباس الذي يزينه، وبدونها يصبح عرياناً مفضوحاً بين الناس، يزدرونه ويحتقرونه، ويعيبون عليه ويشتمونه، ويبتعدون عنه ولا يقربونه، ولهذا نراهم يضحون بحياتهم دفاعاً عن أرضهم وحرصاً عليها، ويسرعون إلى حمل السلاح إذا شعروا بالخطر عليها، ويمكن لزعماء القبائل والعشائر الدعوة للنفير العام والتعبئة الشعبية، لتجنيد كل رجالهم ونسائهم للدفاع عن الأرض والذود عنها.

 

كانت العصابات اليهودية التي عاثت في فلسطين فساداً إبَّان الانتداب البريطاني لها، تعرف هذه الحقيقة عن السكان، وتدرك حجم تمسك البدوي الفلسطيني بأرضه، ولهذا كانت حملتها على بدو النقب شديدةً وقاسية، استخدمت فيها ضدهم أقسى ما تستطيع من قوة لإجبارهم على المغادرة والرحيل، والتخلي عن أرضهم وديارهم، والتسليم بالواقع الجديد في صحرائهم، ورغم ذلك فإن عدد الذين بقوا منهم في النقب أكثر من الذين أجبروا على مغادرتها، حيث فتحت العصابات الصهيونية بعد القوة المفرطة التي استخدمتها ضدهم، الطريق لهم إلى قطاع غزة وصحراء سيناء، وإلى الأردن ومخيمات الضفة الغربية، وسهلت الخروج والمغادرة لمن شاء بأثاثه، ولمن رغب بحياته وعياله.

 

إلا أن اللاجئين إلى مختلف المناطق من سكان النقب، حافظوا على انتمائهم البدوي وهويتهم الفلسطينية، وارتباطهم العشائري ومفاهيمهم القبلية، ولم يستطع العدو بتهجيره لهم أن يقطع أوصالهم، أو أن يفسد علاقاتهم، وأن ينكث عرى التواصل فيما بينهم، بل سعى العديد منهم إلى العودة إلى ديارهم، خاصةً أولئك الذين لجأوا إلى صحراء سيناء، خاصةً أنهم يعرفون مداخل الصحراء والدروب الخفية، في الوقت الذي يعيا العدو في التمييز بينهم، ويحار في التفريق بين أشخاصهم.

 

وما زالت كلمة زعيم القبيلة أو شيخ العشيرة تسري على جميع أفرادها، ويقع عليهم حكمه، ويلتزم الجميع برأيه، وينزلون عند قراره ولو كان مخالفاً لبعضهم، ولا يوجد بين سكان النقب العرب أحدٌ يتعالى على القيم والعادات والتقاليد الموروثة، أو يثور عليها ويرفضها، فالجميع لها يخضع، وبها يقبل ويسلم، ولها يستسلم ويذعن، ومن يخرج عن طوع العشيرة يطرد ويحرم، أو يهدر دمه ويلاحق.

 

ويعتز بدو النقب بالنسل من أصلابهم، وامتداد الأثر لعائلاتهم، وكثرة الولد في عشائرهم، الذين يشكلون بمجموعهم جيش القبيلة وذراعها الطويلة النافذة، التي تحمي القبيلة وتحافظ على الأرض والعرض، ولهذا تشتهر نساؤهم بكثرة الإنجاب، فلا يكون للأسرة شأنٌ ومقامٌ كريمٌ إن لم تنجب أكثر من عشرةٍ من الولد، ولا يكون الرجل راضياً عن نفسه ما لم يكن حوله عشرات الأولاد والأحفاد، ولهذا يكثر في مجتمع النقب البدوي تعدد الزوجات والزواج المبكر، وهذا الأمر يشمل عرب النقب أينما كانوا، فليست هذه الخصلة خاصةً بمن بقي منهم في الصحراء، وإنما هي خصالٌ يتحلون بها جميعاً حيثما كانوا، وبها يتباهون ويتفاخرون.

 

يحيط العمران ومظاهر الحداثة بالبدو في كل مكانٍ، العمارات الشاهقة، والمساكن الجميلة، والملابس الأنيقة، وآخر صرعات الموضة والزينة، والسيارات الفارهة، ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، ويدخل إلى بيوتهم مختلف المحطات التلفزيونية المحلية والفضائية، ويقرأون الصحف العربية والعبرية والدولية، ويتابعون الأخبار الخاصة والعامة، ويسافر أبناؤهم إلى كل الدنيا، ويتلقون تعليمهم في مختلف المدارس، ويواصلون دراستهم الجامعية في مختلف العلوم، ويحملون أعلى الدرجات العلمية، ويتقنون اللغة العبرية إتقاناً تاماً، ويحسنون الحديث بها كأهلها، ولكنهم في الوقت الذي لا يتخلون فيه عن لغتهم العربية الأصيلة، ولا يستبدلونها بأي لغةٍ أخرى، فإنهم يحرصون على موروثاتهم البدوية، ومعالمهم القديمة التي يتميزون بها عن غيرهم.

اليوم يواجه أهلنا البدو في صحراء النقب أقسى حملة لتهجيرهم، وأبشع سياسة لإخراجهم من أرضهم، وتغريبهم عن وطنهم، وعزلهم عن شعبهم، فلا نتركهم وحدهم يواجهون، ولا نتخلى عنهم ونخذلهم، وهم بنا يستنجدون وإلينا يتطلعون، فهم منا ونحن منهم، بقية الشعب وأصحاب الأرض وملح الوطن.

 

يتبع ....

بيروت في 15/1/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Oji7kr_Jj9XS-q6wP-0LzZXo3JCGD4i5pD39CCJHCfsYPQ%40mail.gmail.com.

Thursday, 13 January 2022

{الفكر القومي العربي} مساجلات «ملف عبدالناصر»! | بقلم :عبد الله السناوي




From: mohamed el-sharkawy <sharkupper@hotmail.com>
Sent: Monday, January 10, 2022 3:55 PM
To:
Subject: - مجلة الوعي العربي - اتبع المال لمعرفة الحقيقة عن مصر السيسي- مترجم
 



{الفكر القومي العربي} FW: نشرة مجلة نضال الشعب الأسبوعية:

 

 

 

 

 

 

نشرة مجلة نضال الشعب الأسبوعية:

الخميس :الموافق13/1/2022   

أسرار زيارة محمود عباس للقاهرة وتأجيل جلسة المجلس المركزي، وسبب زيارة وفد فتح لدمشق

http://nedalalshab.com/?p=33647

ذاكرة وطن…الشهيد الرائد خالد عبد المجيد( فايز محمود حمدان (

http://nedalalshab.com/?p=33674

عبد المجيد يدعو الإسراع بتسهيل عودة الأهالي الجماعية الى مخيم اليرموك، ويطالب القيادة الفلسطينية

http://nedalalshab.com/?p=33628

العلاقات المصرية – الاسرائيلية فى عام 2021 تنسيقات أمنية واسعة، وشراكات اقتصادية كبرى فى مجال

http://nedalalshab.com/?p=33644

قرى النقب" تتصدى بعزيمة وإصرار في مواجهة حربًا"إسرائيلية"غير مسبوقة تستهدف

http://nedalalshab.com/?p=33664

شجرة الزيتون.. شجرة مباركة ومقدسة جذورها ضاربة في أرض فلسطين، وأول ما اكتشفت في إيبلا بسورية.*

http://nedalalshab.com/?p=33660

خالد عبد المجيد رفضاوي المزاج والذهنية، رجل ديناميكي، صاحب كاريزما ويتمتع ببراغماتية، من مدرسة بهجت أبو غربية القومية .

https://al-somod.com/post/46981

الفلسطينيون في أراضي 48 قنبلة موقوتة

http://nedalalshab.com/?p=33654

جبهة النضال: التنسيق الأمني يجعل قيادة السلطة الفلسطينية متهمة بتمرير جرائم الاحتلال .

http://nedalalshab.com/?p=33641

انتقادات حادة لوفد اللجنة المركزية لحركة"فتح" بسبب تجاهله أوضاع الفلسطينيين في مخيمات

http://nedalalshab.com/?p=33638

فصائل المقاومة الفلسطينية بدمشق تحيي ذكرى استشهاد سليماني والمهندس ورفاقهما

http://nedalalshab.com/?p=33611

عملية تحرير حقول النفط السورية بدأت، والاحتِلال الأمريكي في سورية والعِراق سينتهي عاجِلًا أو آجِلًا،

http://nedalalshab.com/?p=33608

قصة من قصص إبداعات الأسرى الأبطال..

http://nedalalshab.com/?p=33657

الشيطان الصغير"..من مذكرات جنرال صهيوني – بيروت 1982 المكان تلال صيدا – جنوب لبنان –…

http://nedalalshab.com/?p=33651

القضية الفلسطينية الموضوع الأبرز في معرض الفن التشكيلي لإتحاد الفنانين الفلسطينيين والسوريين في

http://nedalalshab.com/?p=33631

 

 

نضال الشعب
تلفاكس: 0112758006 –
  Whats App 00963948315899 هاتف: 0112763348
البريد الالكتروني:
alnedal.front@gmail.com– assmoud@scs-net.org

 

                                                                                                            

                                                                                                     

 

 

 

 

{الفكر القومي العربي} التطرفُ الإسرائيلي يهزمُ الاعتدالَ الفلسطيني ويهينُهُ

التطرفُ الإسرائيلي يهزمُ الاعتدالَ الفلسطيني ويهينُهُ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يوماً بعد آخر يزداد المجتمع الإسرائيلي كله تطرفاً وعنصرية، وعنفاً ويمينية، ويوغل أكثر في الإرهاب والتشدد، ويمضي في مفاهيم العدوانية والعنصرية، وتتعمق لديه مشاعر الحقد والكراهية، وممارسات البغي والسادية، ويتصلب في مواقفه ويعاند في سياسته، وتزداد مطالبه الأمنية، وتتعاظم مطامعه التوسعية، وتنفتح شهيته على الاستيطان أكثر، ويتطلع إلى الأماكن المقدسة والتلال والربا العالية، يصادر العزيز منها والكبير، ويسلب أصحابها الغالي والنفيس، ويطمع في بيوت الفلسطينيين ومزارعهم، ويسعى لطردهم والحلول مكانهم، في الوقت الذي تزداد فيه قبضته الأمنية، وتتنوع وسائله القمعية، فيقتل ويعتقل، ويغلق ويحاصر، ويمنع ويصادر، في صيرورةٍ من الظلم والعدوان لا تفتر ولا تنتهي.

 

يجاهر الإسرائيليون، حكومةً وشعباً، ساسةً وعسكراً، وأحزاباً وتكتلاتٍ، يميناً ويساراً، بمواقفهم المتطرفة، ويتفاخرون بتشددهم وتصلبهم، واتفاقهم ووحدتهم، ولا يترددون في التعبير عنها بمختلف الوسائل والسبل، ولا يشعرون إبان ذلك بأي خوفٍ أو حرجٍ من المجتمع الدولي، الذي يتابع سياستهم ويسكت عن جرائمهم، ويتفهم تطرفهم ويستنكر الغاضبين منهم والمعارضين لهم، ويرفض تصنيف أفعالهم بالإرهاب، أو سياستهم بالعنصرية، ويؤيد شطب القرارات الدولية التي تصف الصهيونية بالعنصرية، وتساوي بينها وبين مفهوم الإرهاب، بينما يدين المطالبين بحقوقهم، والساعين لاستعادة أرضهم، وتحرير بلادهم، وعودة أبنائهم.

 

يؤمن الإسرائيليون أن سياستهم ناجحة، وقيادتهم حكيمة، ومواقفهم ثابتة، وأنهم أمناء على إرث أنبيائهم وملوكهم، وصادقون في الدفاع عن حقوقهم، ومخلصون في الدعوة إلى التمسك بمعتقداتهم، ويرون أنهم يخوضون مع الفلسطينيين معركة مصيرٍ ووجودٍ، لا أنصاف حلولٍ فيها ولا مساومة معهم عليها، بل يجب أن ينتصروا عليهم فيها، ويثبتوا وجودهم ويحفظوا شعبهم، ويدافعوا عن كيانهم ويحموا مصالحهم، ويخرجوا غيرهم ويجتثوه من جذوره، ويشطبوا هويته، ويسلبوه ثقافته وحضارته، وإلا فإن مصير كيانهم إلى زوال، ومستقبل شعبهم إلى رحيل، وحالتهم إلى تفكك وضياع، وشتاتٍ جديدٍ وتيهٍ آخر.

 

وفي المقابل يجنح تيارٌ من الفلسطينيين، أغلبهم من أهل السلطة والحكم، ومن المقربين منهم والموالين لهم، ومن بعض النخب الثقافية الخاصة، المنسلخة عن شعبها والغريبة عن أهلها، من السياسيين والإعلاميين وغيرهم من أصحاب رؤوس المال والتجارة، ومن رجال الأعمال وأرباب الاقتصاد، الذين يخشون في مجموعهم على مصالحهم ويخافون على منافعهم، ويعتقدون أن بقاءها مكفولٌ ببقاء الاحتلال، وسلامتها مضمونة برضا الكيان، وأن السلام مع إسرائيل هو الحل، والاعتراف بها هو المدخل إلى نيل بعض الحقوق وبناء الدولة على جزءٍ من أرضها التاريخية، ويؤمنون أن قتال إسرائيل غير مجدي، ومقاومتها لا تحرر أرضاً ولا تعيد شعباً، ولا تقوى على هزيمتها، ولا تقود إلى النصر المنشود والعودة المأمولة، ولا تحقق الغاية الوطنية والمراد الشعبي.

 

يستنكر هذا الفريق الفلسطيني المقاومة العسكرية، ويرفض أشكالها المسلحة، ويصف بعضها بأنها عبثية وصبيانية، وأنها تضر ولا تنفع، وتسيئ إلى الشعب الفلسطيني وتشوه صورته، لهذا فهو يحاربها ويضيق على المؤمنين بها، ولا يعيبه أن يعتقل المقاومين ويحاكمهم، أو يقتلهم ويعذبهم، إذ أنه يحترم الاتفاقيات ويقدسها، ويقدر ظروف العدو ويؤمن بها، ويقدس التنسيق الأمني ويبدي استعداده للتعاون مع أمن العدو لضبط المقاومة، وإحباط عملياتها، وإفشال مخططاتها، ويساعد في ملاحقة أبنائها ومطاردة عناصرها، إيماناً منه أن المقاومة العسكرية غير ذات جدوى، وأنها ليست الطريق الأسلم ولا النهج الأفضل لتحقيق الأهداف الشعبية الوطنية المرجوة.

 

يتعمد هذا الفريق أن يظهر أمام الإسرائيليين لينه وضعفه، وانكساره وانهياره، ووسطيته واعتداله، فيستخذي له ويتوسل إليه، ويسلم له ويعترف به، ويقبل بشروطه ويخضع لسياسته، وينفذ تعاليمه ويلتزم بتوجيهاته، ويطيعه ولا يخالفه، ويعمل على خدمته ويتنافس في استرضائه، ويضمن أمنه ويعمل على حماية شعبه وسلامة مستوطنيه، فلا يقبل المساس بهم أو التعرض لهم، ويبادر لزيارة قادته ومسؤوليه، ويخف لاستقبالهم، ويبش لهم ويبتسم حفاوةً بهم، ويتبادل الهدايا معهم، ويلتقط الصور التذكارية بصحبتهم، ولا يتردد في شكرهم أو اظهار الامتنان لهم، رغم أن العدو جافٌ معهم وشديدٌ عليهم، ويمعن في الإساءة إليهم ويتعمد إحراجهم وتشويه صورهم، ويصر على نشر تفاصيل الحوارات ولو كانت مسيئة، وكشف حقيقتها ولو كانت فضيحة.

 

لا يبالي العدو الإسرائيلي في التصعيد في مواقفه، والإصرار على سياسته، والمضي في تنفيذ مخططاته وإنجاز مشاريعه، ولعله بسياسته هذه يحقق ما يريد، ويكسب أكثر مما يتوقع، في الوقت الذي لا يقدم فيه للفلسطينيين تنازلاً، ولا يمنحهم من حقوقهم شيئاً، فضلاً عن أنه يجد من شعبه من يؤيده ويشجعه، ويثق به ويصدقه، إذ يشعر شعبهم أن قيادته تحسن تمثيله والتعبير عنه، وتتمسك بحقوقه ولا تفرط فيها، وتظهر أمام الفلسطينيين عزةً وصلابةً ولا تتنازل عنها.

 

الحقيقة الساطعة التي يجب أن نعترف بها، أن العدو بتطرفه يكسب، وبتشدده تتفق أحزابه، وتتحد قواه، ويطمئن شعبه وينسجم خطابه، ويحافظ على مكتسباته ويخطط للمزيد منها، بينما يضعف الفلسطينيون ويدب الخلاف بينهم، وتتفرق قواه وتتشتت جهوده، وتسوء سمعته وتتشوه قضيته، ويبرر بسلوكه لبعض الأنظمة العربية أن تحذوا حذوهم، وأن تطبع مع العدو وتعترف به مثلهم، وهو الأمر الذي جعل مهمة مواجهة التطبيع صعبة، وواجب التصدري له والحد منه عسيراً.

 

أما الفريق الفلسطيني الذي يصف نفسه بالاعتدال ويتغنى بالوسطية، فقد استمرأ الدور واستعذب الإهانة، ورضي أن يكون محط تهكمٍ وسخريةٍ، وموضوع ابتزازٍ ومساومة، وقَبِلَ بالتسول والسؤال، وارتضى الفتات والفضلات، وصم أذنيه عن صوت شعبه المستنكر الرافض، الثائر المعارض، واتهم الناقمين الغاضبين، وصب جام غضبه عليهم، فضيق عليهم واعتقلهم، وراقبهم وحاسبهم، وتوعدهم وهددهم، ورفض أن تعلو أصواتهم أو أن تتسع دائرتهم، بينما سمح للأبواق المؤيدة والضمائر الميتة، والحناجر المستأجرة والمنابر المشوهة، أن تمدح وتشيد، وتشكر وتحمد، وتصف الزيارات بالفتح، والاعتدال بالعقل، والخضوع للشروط حكمة، والتنازل عن الحقوق عقلانية، والاجتماع برجالات العدو ثقة وشجاعة.

 

 

بيروت في 13/1/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjiaT-9JZU2dV4t8OqsNLjTmyTL0oo8d5oSjKn1oEj9wSg%40mail.gmail.com.

Saturday, 8 January 2022

{الفكر القومي العربي} إقناعُ الفلسطينيين بالهزيمةِ حلمٌ صهيونيٌ بعيدُ المنالِ

إقناعُ الفلسطينيين بالهزيمةِ حلمٌ صهيونيٌ بعيدُ المنالِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

يشن جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة خصوصاً وعلى المقاومة الفلسطينية عموماً، حروباً عديدةً ويفتعل معهم معارك كثيرة، ويجتاح المناطق ويعيث فساداً في المدن، ويقتحم المخيمات والبلدات الصغيرة والكبيرة، وينفذ مهاماً أمنية خاصة، ويقوم بعمليات اعتقالٍ واسعة، منظمة وعشوائية، ويغتال القادة والمسؤولين، والعامة والمواطنين، ويصادر الأرض ويغتصب الحقوق، ويدمر المباني ويهدم المساكن، ويقتلع السكان ويطرد المواطنين، ويفرض عليهم عقوباتٍ قاسيةً وأحكاماً جائرةً، ويحرمهم من مقدساتهم ويحول دون صلاتهم، وينازعهم على مواطن سجودهم، ومقامات علمائهم وقبور آبائهم.

 

يظن العدو الإسرائيلي بعد كل حربٍ وعدوان، ومعركةٍ واجتياحٍ، وغارةٍ وقنصٍ، واعتقالٍ واغتيالٍ، أنه حقق نصراً كبيراً، وسجل إنجازاً نوعياً، وحَيَّدَ قياداتٍ فاعلةً وشخصياتٍ خطرةً، وأصاب أهدافاً استراتيجية، ألحقت أضراراً فادحةً ببنية المقاومة، ودمرت مخازنها ومصانعها، وعطلت قدراتها وأفشلت مخططاتها، ويعلن قادة جيشه وكبار ضباطه، ورئيس حكومته ووزراؤه عبر وسائل إعلامه، أنهم أرغموا الفلسطينيين وأخضعوهم لقواعدهم، وألزموهم بقوانينهم وأجبروهم على احترام معادلاتهم، وأن المناطق الحدودية والبلدات المجاورة ستشهد هدوءً حقيقياً وأمناً مستداماً، ولن تتعرض من جديد لتهديدات الفلسطينيين وبالوناتهم، ولا لهجمات المقاومة وصواريخها، ولا لهلع أنفاقها ودبيب الأرض تحت أقدامها.

 

ومن قبل في حروبه الأولى والكبرى، فيما عرف بحربي النكبة والنكسة، طرد مئات آلاف الفلسطينيين وشردهم من بيوتهم ومزارعهم، وأخرجهم من بلداتهم وقراهم، وألجأهم على العيش المهين في المخيمات في دول الجوار، أو الهجرة بعيداً عن الوطن إلى دول الشتات، وقد ظن أن اللجوءَ سييأسهم وسيحرمهم أمل العودة، وأن الشتات سينسيهم فلسطين، وسيعوضهم عن وطنهم ببلادٍ أخرى كثيرة وأوطان غيره بديلة، وأنهم –الإسرائيليين- سيهنأون بالعيش الرغيد في فلسطين، وسيأمنون فيها، وسينعمون بالأمن والأمان، وسيتمتعون بأرض العسل والمن والسلوى الموعودة، ولن يكون في أرض الميعاد من ينغص عليهم عيشهم ويكدر حياتهم، أو ينكد عليهم ويحرمهم الأمن والاستقرار والرخاء والاسترخاء الذي حلموا به وأملوا فيه.

 

وما بين الحربين وبعدهما، لم يترك العدو الإسرائيلي وسيلةً إلا واستخدمها ضد الفلسطينيين، مستعيناً بأسلحته الفتاكة، وطائراته المدمرة، وصواريخه المزلزلة، وغيرها من الأسلحة الحديثة المروعة، المصنعة محلياً والمستوردة من حلفائه، التي ما زال عقله الباغي يتفتق عنها وعن كل غريبٍ وشاذٍ، وقاسٍ وعنيفٍ، غير مبالٍ بما يرتكب من جرائم فظيعة، وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان مريعة، تخالف القوانين والأنظمة، وتنتهك القيم واللوائح والشرائع الدولية والسماوية، إذ يجد من ينصره ويسانده، ويؤيده ويدافع عنه ويحميه ويبرر له.

 

لكن الواقع يكذبهم والحقيقة تفضحهم، والنتائج تأتي عكس تمنياتهم، فها هي المقاومة الفلسطينية، وكذا العربية أيضاً، التي تبلي في كل حربٍ بلاءً حسناً، وتقاتل على الجبهات كأقوى مما تقاتل الجيوش، تخرج بعد كل حربٍ وعدوانٍ أقوى وأقدر، وأكثر تسليحاً وأفضل تنظيماً، وأقرب إلى النصر بثباتها، وإلى الكسب بإحباطها العدو وإفشالها مخططاته، وإجباره على القبول بوقف إطلاق النار، والاستجابة إلى شروط المقاومة والالتزام بمحدداتها، والعودة إلى المربعات الأولى التي كانت قبل العدوان، دون أن يتمكن من فرض شروطه، أو تحقيق أهدافه التي يعلن عنها مراراً، كنزع سلاح المقاومة، أو إبعادها عن الحدود، فضلاً عن فشله المتكرر في تدمير أنفاقها وتفكيك صفوفها، وتقييد عملياتها.

 

ما زال العدو عاجزاً عن تحقيق النصر الناجز رغم أنه يستهدف بعدوانه الممنهج وحربه الضروس الأطفال والنساء والشيوخ والحجر والبشر، والتاريخ والثقافة والحضارة والعادات والقيم والتقاليد، والموروثات العقدية والمفاهيم الدينية، وقد حاول من خلال حروب الأرض المحروقة أن يعيد تهجير الفلسطينيين من جديد، وترحيلهم من أرضهم، وإخراجهم من ديارهم، لكنه تفاجأ بأن الفلسطينيين أصبحوا أثبت على أرضهم من الجبال الراسيات، وأنهم لا ينزاحون عنها ولا يهاجرون منها، ولا يتخلون عنها ولا يفرطون فيها، رغم قساوة القصف، وشدة العدوان، وضراوة الحروب والمعارك، وبدلاً من أن يحقق نظريته القديمة التي تقول "أرض كثيرة وسكان أقل"، أصبح الفلسطينيون يزدادون عدداً ويتكاثرون نسلاً، ويتمسكون بأرضهم سكناً ووطناً.

 

يقول الخبراء الإسرائيليون، ومعهم الاستراتيجيون العسكريون والأمنيون، والأخصائيون الاجتماعيون، وعلماء النفس والخبراء في السلوك البشري، أنه لا يمكن الانتصار على الفلسطينيين ما لم يعترفوا بهزيمتهم، ويقروا بخسارتهم، ويقبلوا بنتيجة الحرب الحاسمة، التي تعني الاستسلام والخضوع، والاعتراف الصريح بالهزيمة، والقبول بكل ما يملى عليهم من طلباتٍ وأوامر، ذلك أن الهزيمة النفسية هي المدخل إلى الهزيمة الواقعية، وبدون إقرار الفلسطينيين بهزيمتهم فسيبقون يقاومون ويقاتلون، ويقنعون أنفسهم بالغلبة والقوة، وسيشجعون بعضهم البعض على المقاومة والقتال، والصمود والثبات، وهو ما يجعل إعلان "إسرائيل" النصر التام مستحيلاً.

 

يعزز هذا المفهوم الذي يعاني منه الإسرائيليون، دينيس روس، المبعوث الأسبق للسلام إلى منطقة الشرق الأوسط، الذي يؤكد أنه يصعب على "إسرائيل" أن تحقق النصر التام على الفلسطينيين، إلا أن يعترف الفلسطينيون أنفسهم بالضعف والهزيمة، وهو الأمر المستحيل على "إسرائيل" تحقيقه، إلا أن تتعاون معها الدول العربية المجاورة، ذات العلاقات التاريخية والروابط المصيرية مع الفلسطينيين، فهي الأقدر على إقناع الفلسطينيين بالهزيمة، أو إجبارهم على الاعتراف بها، وبغير ذلك فإن الصراع سيستمر، والحروب ستتكرر، وحالة عدم الاستقرار في المنطقة ستطول.

 

يرد الأطفال الفلسطينيون الذين ولدوا بعد النكبة بأكثر من ستين عاماً، الذين يعيشون في فلسطين مرابطين فوق ترابها، واللاجئون في دول الجوار وبلاد الشتات البعيدة، ومعهم آباؤهم المقاتلون، وأجدادهم الواثقون، بكل ثقةٍ ويقينٍ وإيمانٍ، أن فلسطين أرضنا، وهي بلادنا وستعود لنا، وسنحررها ونخرج منها أعداءنا، وستكون وطننا الحر المستقل، ودولتنا العزيزة الأبية، وعاصمتها الأبدية القدس البهية، وفيها سنعيش وأجيالنا، ونستعيد فيها أمجادنا، ونحيي فيها تراثنا، ونطهر من دنس المحتلين مقدساتها، وسنكتب من جديد على شواهد قبور أجدادنا، أسماءهم الخالدة، ونقول لهم ثقوا أننا وإياكم سنبعث من هذه الأرض المباركة، التي كتبها الله لنا ولكم ولأجيالنا من بعدكم.  

بيروت في 8/1/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjaJ_%2Bd0x5%3DhZ%3DXHdsiEcg69r7hKpFvDtyjC167WKxncg%40mail.gmail.com.

Thursday, 6 January 2022

{الفكر القومي العربي} يحيى عياش ذكرياتٌ في بيرزيت جميلةٌ وأيامٌ بديعةٌ

يحيى عياش ذكرياتٌ في بيرزيت جميلةٌ وأيامٌ بديعةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

خمسة وعشرون سنة مضت على استشهاد الشاب المهندس، القائد المجاهد يحيى عياش، الذي شكل للإسرائيليين كابوساً، وتحدى منظومتهم الأمنية والعسكرية والسياسية في أعلى مستوياتها القيادية، الذين عاشوا في حياته رعباً، وحاروا في مواجهته، وتعبوا في ملاحقته، وأنهكهم بحثاً عنه ومطاردةً له، وعجزوا عن الوصول إليه قبل أن ينال منهم مجدداً، ويضربهم في العمق كثيراً، فقد كان شبحاً يطاردهم، وقتلاً يباغتهم، وانفجاراً يفاجئهم، وخوفاً يسكنهم، وهواجس تعيش معهم، وكابوساً مخيفاً يجثم عليهم.

 

أحاول في ظلال هذه المناسبة الأليمة، التي حرمتنا من طاقةٍ مبدعةٍ، وقدرةٍ خلاقةٍ، وعزيمةٍ جبارةٍ، وعاملٍ لا يتعبُ، ومجاهدٍ لا يمل، وهمةٍ لا تفتر، أن أشير إلى بعض الحوادث التي جمعتني به وعرفتني عليه خلال سني الدراسة في جامعة بيزيت، وقد أحزنني كثيراً اغتياله، وآلمني قتله، وحَزَّ في نفسي كثيراً طريقة الوصول إليه والتعرف عليه، وهو الذي أعيا الإسرائيليين بحثاً، وأعجزهم ملاحقةً، وأصابهم بالخبل والجنون جهلاً بمكانه، واضطراباً في المعلومات عنه، حتى غدا الوصول إليه وقتله حلماً يراود رئيس حكومتهم الأسبق اسحق رابين، الذي ما فتئ يوبخ أجهزته الأمنية وقيادته العسكرية، ويعيب عليها عجزها وضعفها وتقصيرها وفشلها.

 

قلةٌ هم أولئك الذين تنبأوا بمستقبل يحيى عياش إبان دراسته في جامعة بيرزيت، وقليلٌ هم الذين كانوا يعرفون كنه هذه الشاب الصامت الرزين، البسيط المغمور، المتلفع بثيابه البسيطة، والمخبوء بأسماله العادية، المنطوي على نفسه، والهادئ في طبعه، والمتأمل في صمته، والعنيد في رأيه، إذ لم يكن يميزه عن بقية الطلاب شئ، ولا يعير الانتباه إلا بورعه وزهده، وتواضعه وميله للبعد عن بقع الضوء اللافتة، حيث لم يكن يتقدم الصفوف، ولم يكن يقود الجموع، ولا يحب أن يشار إليه بالبنان تشريفاً أو تكريماً، ويكاد لا يعلو صوته صاخباً، ولا يتمعر وجهه غاضباً، بل تسكن شفتيه البسمةُ الصامتةُ، والهدوءُ الواعي، والتفكيرُ العميق.

 

يوماً في ربيع عام 1985 رأيته في مسجد بلدة بيرزيت، الذي كنا فيه نلتقي ونجتمع، ونقيم الليل ونصلي، يلهث ويحمل حذاءه تحت إبطه، وقد بدا عليه التعب والإعياء، فاستوقفته سائلاً إياه، وقد كنتُ يومها رئيساً للكتلة الإسلامية في الجامعة، مستغرباً تعبه ومستنكراً لهاثه، فقال لي بثباتٍ وبكلماتٍ لا أنساها ما حييتُ، وقد حفظتها ونقلتها عنه قبل أن ينخرط في مقاومته، ويُعرفُ اسمه، ويشتهر عمله، ويسمو بين الأمم نجمه، "أنت أصدرتَ لنا أمراً بالتجمع في المسجد، فما كان لي أن أتأخرَ عن الاستجابة والالتحاق بالاجتماع".

 

علمت بعدها منه ومن إخوانه، أنه حضر من بلدة أبي قش القريبة من بلدة بيرزيت مشياً على الأقدام، فقطع المسافة بينهما ركضاً وهرولةً حتى وصل إلى المسجد متعباً مرهقاً، وهو النحيل الجسد الضعيف البنية، منذ ذلك اليوم ما نسيتُ وجهه، ولا غاب عني شكله، بل أخذت أبحث عنه دوماً بين جموع الطلاب، إذ رأيت فيه مثال الجندي الصادق، الذي يطيع الأمر ولا يتأخر، وينفذ التكليف ولا يتردد.

 

سألتُ عنه وتتبعت أخباره دون قصدٍ مني، إذ لم يكن يدفعني لذلك غير مسؤوليتي في الكتلة الإسلامية، فعرفت أنه يدرس الهندسة، وأنه مجدٌ في دراسته، ومجتهدٌ في دروسه، وأنه يسكن في بلدة أبي قش القريبة من بيزريت، وعرفت فيما بعد أنه يسكن قريباً إلى أحد طلاب مخيم جباليا بغزة، الذي كان له دورٌ كبير بعد ذلك في إيوائه وإخفائه، إذ أقام في بيته حتى يوم استشهاده، وخلال إقامته حملت زوجته وشاع خبر حملها، فجن جنون الإسرائيليين واضطربوا، وصعق لهول الخبر، إذ كيف تحمل منه زوجته وهو المطارد البعيد عن الأنظار، الذي لا يعرف أحدٌ عنه شيئاً رغم كل حملات المطاردة والبحث والتقصي.

 

كنت أتابع وإخواني نشاط طلاب وطالبات الكتلة الإسلامية في بلدة أبي قش، بصفتي رئيساً لها وأميناً عليها، فكنت أجد يحيى مع كثيرٍ من الطلاب غيره، يجلس على الأرض، مكباً على بعض الأوراق المقواة، التي تحمل شعارات الكتلة الإسلامية في الجامعة، يهيئها لترفع، ويسوي من وضعها لتكون لافتةً مميزة، وقد رأيته مراتٍ عديدةً يحمل بعض هذه الأوراق ويثبتها بنفسه، أو يتعاون مع زملائه عليها، فيما يبدو عليه الفرح أنه يعمل ويجهد، ويشارك ويساهم، شأنه شأن أغلب طلاب وطالبات الكتلة، الذين كانوا يبدعون في عطاءاتهم ومساهماتهم اليومية، ما يجعلني دوماً أشعر بفخر الانتماء إلى هذه الكتلة الإسلامية الرائدة، في ظل طلابها المبدعين الناجحين، الذين نرفع بهم الرأس بهم مباهاةً وفخراً، ونتيه معهم سعادةً وفرحاً.

 

أذكر يوم استشهاد الأخوين الكريمين جواد أبو سلمية وصائب ذهب في العام 1986، كيف خرجت جامعة بيرزيت بكل طلابها وأطيافها الفكرية والتنظيمية، تؤبن طالبي الكتلة الإسلامية الشهيدين، وتزف إلى نفسها نبأ استشهادهما، وإن اختلفنا مع حركة فتح حول انتماء أحدهما، فكان يحيى عياش من أوائل الذين تلقوا الخبر، فالتحق صامتاً بالجموع التي التقت في كافتيريا الجامعة، وكان الخبر قد تناهى إلى أسماعنا بينما كنا نصلي العصر جماعةً، فاستعرت الحماسة في القلوب، واندفع الطلاب كالليوث، كلٌ يريد أن يثأر وينتقم، أو أن يلحق بالشهيدين الذين كانا أول شهداء الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، وكان لشهادتهما دورٌ كبير في تأطير العمل الوطني الطلابي في الجامعة.

 

يحيى عياش الطالب النجيب النشط، المتفوق المبدع النهم، الغيور على قضيته الجلد، المهندس الكهربائي المتقد، لم يكن ثعلباً كما وصفه ضباط العدو، بل كان مؤمناً بقضيته، مخلصاً لوطنه، صادقاً في مقاومته، متطلعاً إلى النصر والتحرير.

 

أدرك يحيى أنه قادرٌ على المساهمة من خلف الجدران، وعلى العمل من داخل المعامل وبين قارورات المختبرات، وشعر أنه قادرٌ على الفعل الموجع والعمل المبدع فآثر الالتفات إلى التصنيع والإعداد، وتجهيز العبوات وصناعة المتفجرات، وقد علم أن هذا السلاح موجعٌ ومؤلمٌ، وأن العدو سيصرخ منه وسيتألم، فانطلق سابقاً الكل، ومدهشاً الجميع، ومخيفاً العدو، ودوى اسمه مع كل انفجارٍ، وصدح صوته مع كل عمليةٍ ينفذها المقاومون، وباتت متفجراته تصول وتجول في كل أرجاء فلسطين، وتترك آثارها في كل مكانٍ، حتى أرعب العدو وأخافه، وأقلقه وأزعجه، وتمنى له الموت لينجو منه ويخلص من فعله.

 

إنه لشرفٌ لي عظيم أنني كنتُ أحد الذين عاصروا يحيى عياش مرحلةً قصيرةً من عمره، وفترةً من حياته، ولا غرو أنني كنتُ واحداً ممن جهلوا هذا الساكن بين جنبيه، الثائر بأصغريه، ولكني لا زلت أذكر صمته المهيب، ونظراته العميقة، وهدوءه المستفز، وكأنه كان يخفي قدراً سيكتب، وبركاناً سينفجر، فطوبى لك أبا البراء في ذكرى شهادتك الخامسة والعشرين، حيث أنت اليوم.

 

هنيئاً لك يحيى المجد الذي حزتَ، والشرف الذي نلتَ، فقد كنتَ رائداً وما زلتَ، وفريقاً قاد الأمة ورفع اسمها، بعث فيها الحياة من جديد، وأعاد الأمل إلى قلوب أبنائها، الذين حفظوا اسمك وأبقوا على رسمك، نجماً في السماء، وعلماً في الحياة، وفرطاً سابقاً الأمة إلى جنان الخلد.

 

بيروت في 6/1/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjgczBN1_E-vmC_2m_5e8ciATAg3ujAE6QWsVt1K6NBwWw%40mail.gmail.com.