Sunday, 9 October 2022

{الفكر القومي العربي} كلفةُ الاحتلال تزدادُ وفاتورةُ العدوان ترتفعُ

كلفةُ الاحتلال تزدادُ وفاتورةُ العدوان ترتفعُ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

باتت الحكومات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة قلقة جداً مما يجري في فلسطين، فقد ازدادت عمليات المقاومة، وارتفت نسبة المؤيدين لها والمنخرطين فيها في أوساط الفلسطينيين عموماً، وانغمست كتائب الأقصى، وهي الجناح العسكري لحركة فتح في المقاومة المسلحة، وتفلتت عناصر كثيرة من الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وانخرطت مع خلايا المقاومة التابعة لمختلف القوى الفلسطينية، ونفذت بالتعاون معها أو وحدها، عملياتٍ عسكرية نوعية، توجع منها الاحتلال وتأذى، وألحقت به خسائر كثيرة، فهي مدربة ومؤهلة، ولديها خبرة وعندها أسلحة وذخيرة، ويسهل عليها التنقل وتجاوز الحواجز الأمنية، والوصول إلى مناطق لا يقوى عليها غيرهم، ولديها من الغيرة والحس الوطني ما يكفي للتضحية والبذل دفاعاً عن الأرض والوطن والشعب والحقوق والمقدسات.

 

الدماء الجديدة التي ضُخت في صفوف المقاومة، سواء كانت من مجموعات حركة فتح العسكرية، أو من عناصر القوى الأمنية الفلسطينية، ومعها الجناحين العسكريين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، كتائب الشهيد عز الدين القسام وسرايا القدس، وغيرهم من الشباب الثائر، الذين يميلون إلى تنفيذ عملياتٍ فرديةٍ، دون تنسيقٍ مع القوى الفلسطينية، من الذين يصفهم العدو بـــ"الذئاب المنفردة"، ويخشى منهم أكثر من خشيته من الخلايا المنظمة، قد أحدثوا جميعاً نقلة نوعية في عمليات المقاومة، واستطاعوا أن يخلقوا حالة تنافسية وتكاملية إيجابية، أفادت المقاومة وحققت إنجازاتٍ أكبر.

 

أمام هذا الواقع المستجد الذي لم يكن يحلم بمثله الاحتلال أبداً، وهو الذي نفذ على مدى سنواتٍ طويلةٍ سلسلةً من الإجراءات الأمنية والوقائية والاحترازية، وشن عملياتٍ كثيرة كالسور الواقع وكاسر الأمواج، للقضاء على مختلف أشكال المقاومة، وتفكيك مجموعاتها، وإحباط عملياتها، وتسهيل أنشطة جيشه في المناطق، دون أن يكون لدى قيادته أي خوفٍ أو قلقٍ من إمكانية تعرضهم للخطر، كإطلاق النار أو وقوعهم في كمائن وتعرضهم لاشتباكاتٍ قد تعرض حياتهم للخطر قتلاً أو أسراً.

 

بدأ العدو في ظل تنامي عمليات المقاومة وانتشارها، يعيد حساباته بدقةٍ أكثر وحذرٍ أشد، فهو لم يعد يستطيع أن يتمتع بمزايا الاحتلال، ويستفيد من الأرض والخيرات، ويحكم المواطنين ويذل السكان، دون أن يتكلف ضريبةً موجعة، ويقدم خسائر حقيقية مؤلمة، يدفعها من أمنه واقتصاده واستقراره وسمعته وحياة جنوده ومستوطنيه.

 

فقد باتت عمليات المقاومة الفلسطينية في القدس والضفة الغربية خطاً متصلاً لا ينقطع، وسلسلة متوالية من العمليات النوعية لا تتوقف، بل تنتقل من جنين ومخيمها إلى القدس وبلداتها، ونابلس وأحيائها، والخليل وبيت لحم، وقباطية وسلفيت وقلقيلية وطوباس، وكل مكانٍ في الضفة الغربية، ولعل آخرها كانت في حي شعفاط في مدينة القدس، التي نجحت في قتل مجندة وإصابة ثلاثة آخرين بجراحٍ خطرة، تؤكد للعدو أن لاحتلاله أرضناً ثمناً، ولعدوانه على شعبنا ضريبة، ولاغتصابه لحقوقنا وتدنسيه لمقدساته وحصاره لنا، فاتورةً كبيرةً من الدم والمال يجب أن يدفعها، وتبعة ومسؤولية كبيرة يجب أن يتحملها وحده ويغض الطرف عن نتائجها.

 

أما أن يحلم باحتلالٍ مجاني، أو كما يسميه البعض بـــاحتلال "سبعة نجوم"، يحقق من خلاله ما يريد ويتمنى، وينفذ مخططاته ومشاريعه، ويصادر أرضنا ويستنزف خيراتنا، ويستولي على أموالنا، ولا يجد مقاومةً تذكر أو معارضة تصد وتمنع، أو يجد من يسهر على أمنه، ويطمئن على سلامته، ويقوم على خدمته وتأمين عدوانه وتسهيل اقتحامه، ويتولى نيابة عنه ملاحقة المقاومين واعتقالهم، وتفكيك مجموعاتهم ومصادرة أموالهم، وإغلاق مؤسساتهم، والتصدي لهم والاشتباك معهم نيابةً عنه، بما لا يكبده خسائر في الأموال أو الأرواح.

هذا ما لن يناله أو ينعم به أبداً، ولعله بات خبيراً بالشعب الفلسطيني وعالماً به، فهو لا يستكين على الظلم، ولا يقيم على الخسف، ولا يقبل بالاحتلال ولا يتعايش معه، وسيبقى يواجهه ويقاتله، ويكبده خسائر مادية، ويفجعه في مستوطنيه وجنوده حتى يرحل، أو يدرك أن ثمن البقاء مكلفٌ، وضريبة الاحتلال موجعة ولا يقوى عليها، ولعل البيانات اليومية، واحصائيات جيشه ومؤسساته الأمنية، تخبره يقيناً، بالأعداد والأسماء، أن فاتورة احتلاله تزداد، وأن ضريبة عدوانه ترتفع.

 

بيروت في 9/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojht7fz6ZE6-r_KVpmLS38f4WiNwCX9CVDK_Svrw%2BJdyHw%40mail.gmail.com.

Friday, 7 October 2022

{الفكر القومي العربي} أعيادٌ يهوديةٌ كثيرةٌ واعتداءاتٌ صهيونيةٌ خطيرةٌ

أعيادٌ يهوديةٌ كثيرةٌ واعتداءاتٌ صهيونيةٌ خطيرةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

تعجُ السنة العبرية بالأعياد الدينية اليهودية والقومية الصهيونية، فهي أعيادٌ بالمقارنة مع أتباع الأديان والقوميات الأخرى كثيرةٌ جداً، ولا تقتصر غالباً على يومٍ واحدٍ فقط، بل قد تمتد لأيامٍ طويلة، يؤمن بها اليهود عامةً، ويحرصون على إحيائها ويلتزمون طقوسها المختلفة، وإن كانت غريبة الشكل متعددة الأطوار، وهي أعيادٌ شبه شهرية، وأحياناً يشهد الشهر الواحد أكثر من عيدٍ ومناسبةٍ.

 

أغلب أعياد اليهود توراتية دينية، لكنها متجددة ومتغيرة وفقاً للعصور والدهور التي مرت بها الديانة اليهودية، والأحداث التي واجهها اليهود أنفسهم، وفيها يكثر الصوم بطريقتهم الخاصة، والاستغفار والتوبة والتخلص من الخطايا، ونفخ الأبواق والصلاة، وذبح القرابين وسوق الأضاحي، ولا تخلو أعيادهم من الخزعبلات والخرافات، والأساطير والنبوءات، فكانت أعياد رأس السنة ويوم الغفران والفصح والعُرُش وذكرى خراب الهيكل وغيرها من الأعياد الدينية التي وردت في توراتهم، وأوصى بها حاخاماتهم، وحرصوا على فرضها على حكوماتهم وإحيائها في مجتمعاتهم.

 

أما الأعياد القومية والوطنية اليهودية، فهي كثيرةٌ أيضاً وتوصف بأنها أعيادٌ دنيوية، حيث يكثر فيها الهرجُ والفرح، والزينة والبهرج، والمزامير والمساخر، ويحيون فيها الحفلات الراقصة والمهرجانات الماجنة، ويحتسون فيها الخمور ويتبادلون فيها التهاني.

 

وهي أعيادٌ جديدةٌ وقديمة، موروثةٌ ومستحدثة، وفيها جوانب دينية وملامح توراتية، لكنها أقل بكثير من المظاهر الدنيوية، كيوم خراب الهيكل، وأعياد المساخر والشجرة، والاستقلال والتاسع من آب، والأنوار وعيد الأسابيع، وغيرها الكثير مما يستجدونه ويفرضونه، ويسمونه ويثبتونه رسمياً، ويجعلونه يوم عطلةٍ للفرح وإحياء الذكريات والمناسبات.

 

أما يوم السبت الذي يدعون قدسيته، ويبالغون في التمسك به والالتزام بتعاليمه والعمل بموجب قوانينه، فهو يومٌ مباركٌ عندهم، يمتنعون خلاله عن الحركة والعمل، وتتعطل لديهم الحياة العامة بدءً من الساعات الأولى لليلة السبت حتى فجر يوم الأحد، فلا محلات تجارية ولا أسواق، ولا بنوك ولا مؤسسات، ولا مدارس ولا جامعات، ولا سفر ولا ركوب للسيارات والطائرات، وغيرها من وسائل النقل التي يلزم تحريكها الطاقة "النار"، وهو الأمر الذي يتناقض مع حرمة إشعال النار في أيام السبت.

 

الكيان الصهيوني، بانتمائه الديني وقوميته اليهودية، وبهويته العنصرية العدوانية، بات في أعياده ومناسباته يعتدي على الفلسطينيين ويؤذيهم، ويضيق عليهم ويخنقهم، ويحاصرهم في مناطقهم ويمنع انتقالهم وحركتهم، في الوقت الذي يقوم فيه مستوطنوه بالاعتداء على القدس والمسجد الأقصى المبارك، وكأن أعياده باتت لعنة على الفلسطينيين وشؤماً عليهم، وحرماناً لهم وعدوانهم عليهم.

 

حَوَّلَ الإسرائيليون أعيادهم وأفراحهم، ومناسباتهم وذكرياتهم، إلى أحزانٍ فلسطينيةٍ وأتراحٍ، وأيام معاناةٍ وبؤسٍ، وحزنٍ وألمٍ، فيها يعتدون على الفلسطينيين ويمنعونهم من الحركة، ويحاصرونهم ويفرضون عليهم حالة منع التجوال، ويفرضون في مناطقهم حالة الطوارئ القصوى، وخلالها يقتلون عشرات الفلسطينيين ويعتقلونهم، ويعتدون عليهم ويضربونهم.

 

وفي أعيادهم يقتحمون المسجد الأقصى ويدنسون باحاته، ويهددون هويته ويعتدون على رمزيته، ويفرضون فيه طقوساً يهودية مستفزة، وصلاةً تلمودية غريبةً، تحمل رسائل خطيرة وإشاراتٍ مرفوضة، ويسمحون خلالها لمن شاء من اليهود بالدخول عنوةً إلى المسجد الأقصى، بينما يمنعون أهله من الدخول إليه والصلاة فيه، ويخرجون من فيه من المصلين والمرابطين، ليهنأ اليهود بعدوانهم، ويفرحوا بأداء طقوسهم، التي لا تخلو من معاني التحدي والمواجهة والغطرسة والغرور.

 

لا نعيب على اليهود أعيادهم الدينية الكثيرة، ولا نتدخل في شؤونهم الخاصة، كأتباع دينٍ سماويٍ نعترف به، بل نؤمن بدينهم ونحترم طقوسهم، ولا نعترض على عاداتهم وتقاليدهم في مناسباتهم وأعيادهم، وقد رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن صيامهم، ولم يعترض عليهم أو يعيب فعلهم، بل دعا أمته إلى صيام يوم العاشر من محرم، إيماناً منه بأن المسلمين أولى بموسى عليه السلام منهم.

 

فليحتفلوا بأعيادهم بعيداً عنا، وليحيوا مناسباتهم حيث كانوا يقيمون في "الديسابورا"، في الشتات الذي كانوا يعيشون فيه، والغيتوات التي فرضوها على أنفسهم، وفضلوا العيش فيها بعيداً عن الفضاء الواسع والعالم الممتد الفسيح، وقبلوا أن يعيشوا في"غيتوات" خلف الأسوار والجدران، حيث لم يكن أحدٌ يعترض على خرافاتهم وأساطيرهم، ولا على عاداتهم وتقاليدهم، طالما أنهم لا يعتدون على أحدٍ، ولا يزاحمون الآخرين على حقوقهم ومقدساتهم، ولا يضيقون عليهم سبل العيش ويحبسونهم، أو يفرضوا عليهم الحظر ومنع الحركة.

 

لكننا لا نقبل أبداً أن يحتل اليهود أرضنا، وأن يطرودونا من ديارنا، وأن يزاحمونا على مقدساتنا، وأن يحيوا مناسباتهم الدينية ويحتفلوا بأعيادهم القومية على حساب أصحاب الأرض وأهل فلسطين التي احتلوا أرضها، واغتصبوا حقوقها، وطردوا منها أهلها، ودنسوا مقدساتها، ونهبوا خيراتها، وزوروا تاريخها، وغيروا واقعها، وبدلوا هويتها، وحاولوا فرض طابعهم الديني وهويتهم الصهيونية عليها، فهذا العدوان لن يستمر، وهذا البغي لن يبقى، وهذا الفساد لن يطول، وهذا العلو حتماً سيتلوه سقوطٌ مدويٌ وزوالٌ أخيرٌ.

 

 

بيروت في 7/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjgDOR%3D-nESjhjQyDiRh1sBqMQXkrZB9cTkAmNhdq2CLyw%40mail.gmail.com.

Wednesday, 5 October 2022

{الفكر القومي العربي} الشعبُ القويُ والحاضنةُ الصابرةُ صناعُ النصرِ وأصحابُ الفضلِ

الشعبُ القويُ والحاضنةُ الصابرةُ صناعُ النصرِ وأصحابُ الفضلِ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

قد يكون للمقاومة الوطنية العسكرية المسلحة، القوية القادرة، المدربة المؤهلة، الكبيرة العدد، الكثيرة العتاد، الوفيرة العدة، المنتشرة اليقظة، الممتدة الشاملة، بقيادتها المختصة، الحكيمة المسؤولة، الخبيرة العارفة، المخلصة الصادقة، الواثقة المطمئنة، المقدامة الشجاعة، وعناصرها المقاومة ذات الكفاءة العالية والتجربة العميقة، الشابة الفتية، القوية المتينة، المهيبة الشكل والمظهر، العظيمة الهيئة اللافتة النظر، بأجسامها القوية وحركتها السريعة، ومشيتها الواثقة، وبزتها العسكرية، وجعبتها وبندقيتها وقنابلها ومديتها وغيرها مما يلزمهم في القتال والاقتحام، والمواجهة والتصدي.

 

وكذلك وحداتها المختلفة وفرقها المتنوعة، وتخصصاتها العديدة، وأسلحتها المتطورة، وصواريخها بعيدة المدى دقيقة الإصابة وشديدة الأثر، ومعها طائراتها المسيرة، وقذائفها الصاروخية الدقيقة، المحلية الصنع والأجنبية، المخصصة لاستهداف السيارات المدرعة والدبابات، وغيرها من الأسلحة الحديثة، التي لم تعد كما كانت سابقاً بنادق قديمة وقطعاً حديدةً عمياء، بل غدت وسائل قتالية حديثة، برية وبحرية وحتى جوية، تعززها الأنفاق الاستراتيجية، وفرق الكوماندوز الخاصة، والقطاعات البحرية المميزة، وسلاح الغواصين والصواريخ البحرية الموجهة، والطربيدات المدمرة والألغام البحرية غيرها.

 

هذا إلى جانب وحدة الساحات وتضامن الجبهات، وشمولية المعركة واتساع الميدان، والتنسيق الشامل مع قوى المقاومة ومحورها القريب والبعيد، الذي يردفها بالمال والسلاح، ويزودها بالخبرة والمعرفة، والأجهزة الحديثة والمعدات المتطورة، ويراقب عملها ويحسن أداءها، ويصوب سلاحها ويزودها بما تحتاج إليه لتبقى قوية متميزة، وقادرة على الوصول إلى العدو وإيلامه، وصد هجومه ودحر قواته، وإحباط عملياته وأسر جنوده، ومنعه من تحقيق أهدافه أو فرض شروطه، وصولاً إلى هزيمته وكسر شوكته، وفرض شروطها عليه وإجباره على التراجع والانكفاء، والمطالبة بالهدنة ووقف القتال ومختلف الأعمال الحربية، مقابل تنازلاتٍ يؤديها، والتزاماتٍ يتعهد بها، وشروطٍ يخضع لها.

 

قد يكون لكل ما سبق ذكره وغيره مما فاتني سهواً أو عدم إحاطة ومعرفة، ويذكره غيري لعلمهم وخبرتهم وتجربتهم، دورٌ كبيرٌ في تحقيق النصر، وضمان الصمود والثبات، ومراكمة سجلٍ حافلٍ بالإنجازات الكبيرة والمكاسب العديدة، لكن كل هذه القوة مهما عظمت، وهذا التميز مهما تنوع، وهذه القيادة الفذة والأجناد البطلة، لا تصنع نصراً ولا تحقق غلبة، ولا تهزم عدواً ولا تدحر غازياً، ما لم تكن هذه القوة مصانةً بشعبها، ومحاطةً بأهلها، ومحفوظة بأبنائها، وقوية بحاضنتها.

 

فلولا الشعب الصابر الصامد، المضحي المعطاء، والبيئة الصادقة المخلصة، الذي يصبر على التضحية ويقدم الشهداء، ويقف بعزةٍ وشموخٍ، وكبرياءٍ وشممٍ، على ركام بيوته المدمرة وآثار مؤسساته المخربة، ويودع شهداءه بأهازيج الرجال وزغاريد النساء، وينظر بأملٍ ورجاءٍ إلى مزارعه المحروقة وأشجاره المخلوعة، وشوارعه المحفورة، وأرضه المحروثة، ويصبر على المحنة والابتلاء، ويجفف الدمعة ويخفي الحسرة، ويقف إلى جانب المقاومة يؤيدها ويساندها، ويساعد شبابها، ويحمي أبناءها، ولا ينتقد أداءها، ولا يعيب عليها عملها، بل يشاركها المسؤولية الوطنية، ولا يحملها المسؤولية وحدها عما يصيبه ويلحق به، لولا ما تحقق شيئاً مما نفخر به ونعتز.

 

هذا الشعب الذي لا يسر العدوَ بانتقاده المقاومة، ولا يفرحه بتخليه عنها، ولا يشفي غليله بدمعةٍ وحسرةٍ، وآهةٍ وشكوى، ولا يرضيه بمواقف إعلاميه تؤيده وتجيز عدوانه، بل يظهر أمامه عزةً وكبرياءً، وأنفةً وشموخاً، يتوعده ويهدده، ويتمسك بالمقاومة ويتحدث باسمها، واثقاً بالنصر صابراً على الألم، راضياً عن دور مقاومته وأداء رجالها، ولا يبدي أسفاً أو حزناً، ولا ندماً أو ضيقاً، وإن كان بعضهم قد فقد جل أهله، واستشهد عددٌ كبيرٌ من أبنائه، وأصابهم العدو بجراحاتٍ وعاهاتٍ مستديمة، إلا أنهم جميعاً يتحلون بالصبر الجميل والاحتساب الرباني، الذي عز نظيره في زماننا، ما يجعل صبرهم هو السلاح الأهم والقدرة الأكبر.

 

لا أغمط القدرة العسكرية فضلها، ولا أهمل دورها، ولا أنكر قيمتها، لكنني هنا أُعلي من شأن الشعب، وأرفع من قدر وقيمة الحاضنة، إذ بدونهما تضعف المقاومة، ويتراجع أداؤها، وتشعر بأنها وحيدة منبوذة، منفصلة عن المجتمع وبعيدة عن أهلها، وحينها يستفرد العدو بها وينال منها، ويعزلها عن محيطها وينتزعها من بيئتها، ويفرض شروطه عليها، ويظهر نفسه أكثر رأفةٍ بالشعب من المقاومة، وأحرص عليه منها.

 

لهذا فإن على قوى المقاومة وفصائلها العسكرية المسلحة، وغيرهم من المسؤولين الأمناء على هذه القضية المقدسة، أن يحرصوا على شعبهم، وأن يحفظوه ولا يلهبوا ظهره بالسياط، ولا يرهقوا كاهله بالأعباء، ولا يفرضوا عليه ما لا يستطيع، ولا يكلفوه بما لا يقوى، ولا يتخلوا عنه عند الحاجة، ولا يتركوه للمجاعة، ولا يدعوه عند الجائحة، ولا يجعلوه وحده في مواجهة المحن والابتلاءات، بل يجب عليهم أن يبذلوا قصارى جهودهم لمساعدته ومساندته، والوقوف إلى جانبه ومناصرته، وإنصافه ورفع الظلم عنه، ومنع التغول عليه والإساءة إليه، والعدل معه واستعادة الحق له، فهو القوة الحقيقة، والسلاح الأمضى، والجدار الأعلى، والحصن الأسمى، والوجه المنير الأنضى.

 

بيروت في 5/10/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjjvsMmYXXw1AZMHR-epBLn5xn3q3jKytTAgpZ1vr8rsOg%40mail.gmail.com.

Wednesday, 21 September 2022

{الفكر القومي العربي} التداعيات الفورية العالمية للتعبئة الروسية الجزئية

التداعيات الفورية العالمية للتعبئة الروسية الجزئية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لم تكد تمض دقائق قليلة على خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم أمس، الذي كان خطاباً استثنائياً وغير عادي، حتى بدأت تداعياته الكبيرة تنعكس على العالم كله، فقد دعا إلى التعبئة الجزئية في صفوف الجيش الروسي، والتي تعني استدعاء ثلاثمائة ألف جندي من مختلف الوحدات العسكرية، وتغيير خطة المعركة واسمها، لتكون حرباً حقيقية شامل ضد أوكرانيا، التي انقلبت حكومتها على التفاهمات، ورضيت بأن تكون أداةً بيد الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، واستخدمت –بغباء- الشعب الأوكراني ليكون "علفاً" وقوداً للحرب على مذبح المصالح الغربية.

 

ويندرج تحت التعبئة الجزئية الروسية تجهيز الأسلحة الاستراتيجية الفتاكة، وفتح بوابات الترسانة النووية المدمرة، والتلويح باستخدامها، رداً على التهديدات الأمريكية والأوروبية، وتدخلهم في الحرب لصالح أوكرانيا، وتزويدهم لها بالسلاح النوعي والمعلومات الدقيقة، وانخراطهم الفعلي بالقتال من خلال خبراء عسكريين ومتطوعين من كبار الضباط المتقاعدين، على أمل استنزاف الجيش الروسي، وتكبيد الخزينة الروسية خسائر كبيرة، إلى جانب العقوبات الاقتصادية المرهقة التي فرضت على شخصياتٍ وقطاعات اقتصادية روسية فاعلة.

 

التعبئة الجزئية الروسية يوم أمس تعني بكل وضوح وصرامة أن هزيمة روسيا غير ممكنة، وأن انتصار أوكرانيا مستحيل، وأن كرامة موسكو يجب أن تحفظ، وأن إهانتها لن تقبل، وأن الحصار عليها لن يفرض، وعلى دول أوروبا أن تدفع ثمن عنجهية حكومتها وتبعيتها للإدارة الأمريكية، وأن تتحمل كامل المسؤولية عن قراراتها الطائشة، ورهانها الخاطئ، وتخليها عن الجار القريب والأمن الحقيقي، لصالح حليفٍ بعيدٍ وأمنٍ زائفٍ.

 

التعبئة الجزئية تعني أن بوتين لن يسمح بانكسار بلاده أو ضعفها، ولن يقبل بإطالة أمد الحرب واستنزاف بلاده، ولن يوافق على أنصاف الحلول والتفاهمات الملغومة، ولن يعود من الحرب قبل تحقيق أهدافه، كما لن يسمح لأوكرانيا بأن تكون مخلب الغرب ضد بلاده، ولا جبهةً مفتوحةً في مواجهة جيشه، ولا ساحةً للعبث والتهديد الأمريكي المستمر لأمن وسيادة بلاده.

 

ألقى خطاب بوتين بظلاله القاسية على الأسواق العالمية، فاهتز عرش الدولار الأمريكي كما لم يضطرب منذ عشرين عاماً، وسجل اليورو تراجعاً كبيراً ليسجل أدنى سعر له مقابل الدولار الأمريكي، وهبطت أسهم البورصات الأوروبية، وتراجعت قيمة أسهم الشركات، وارتفعت فواتير الكهرباء، وتقنن استخدام الغاز، وبدأت الحكومات الأوروبية في مراجعة دفتر الرفاهية الاجتماعية، وصناديق التعاضد والتأمين والشيخوخة والمرضى، ومساهمات الدولة في رفاهية مواطنيها.

 

وأعلنت كبرى شركات الاستيراد الأوروبية، العاملة في أسواق القمح والمحاصيل الزراعية، أنها تواجه مشاكل كبيرة في عقد صفقاتٍ جديدةٍ، ولا تستطيع تحمل تكاليف شركات التأمين الدولية، التي باتت بوالصها تفوق ثمن البضائع المنقولة، في ظل ندرة المصادر الأخرى وفقر الأسواق العالمية وحاجتها للقمح والبذور والأسمدة الأوكرانية والروسية معاً.

 

أما أسواق النفط الأوروبية فقد كانت الميزان الحساس والمؤشر الأدق لخطاب بوتين، وهي المعيار التي على أساسها تقاس الأمور وتحدد الاتجاهات، فبعد أن هدأت الأسواق العالمية لعدة أسابيع سابقة، وتراجع سعر برميل النفط نسبياً، عادت اليوم لتقفز من جديد، وتهدد أوروبا كلها بالعتمة والبرد، وبالجمود الاقتصادي وتوقف عجلة الإنتاج، وتعطل الحياة العامة، ما دفع العديد من المراكز والهيئات الأوروبية المختصة لاستدعاء ملفات الحرب العالمية الثانية، والظروف الاقتصادية الطاحنة التي كانت سائدة، وسياسة البطاقات التموينية، وحساب السعرات الحرارية اللازمة لكل مواطن للبقاء على قيد الحياة.

 

قد لا يكون خطاب بوتين هو الخطاب الأخير في الحرب الروسية الأوكرانية، فهو خطاب التعبئة الجزئية، والاستدعاء المحدود لعناصر وضباط الجيش الروسي، في رسالةٍ واضحة إلى قادة أوروبا والإدارة الأمريكية، أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يكفوا عن عبثهم، وأن يتفهموا المصالح الروسية الاستراتيجية، والامتداد الجيوسياسي الطبيعي لبلادهم، وإلا فإن خطاب التعبئة الشاملة، والاستدعاء الكلي للجيش والقوات المسلحة، وتفعيل الصندوق النووي قد يكون الخيار الأخير لروسيا والعالم له معها.

 

بيروت في 21/9/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Ojg%3DZM%3DvWPPJ%3Dpe8aGZ1iC6F7iXmD3Jvp1oJCOggwZyd5A%40mail.gmail.com.

Tuesday, 20 September 2022

{الفكر القومي العربي} سحق الضفة الغربية بين رحى المداهمات وتهديد الاجتياح

سحق الضفة الغربية بين رحى المداهمات وتهديد الاجتياح

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

ما زال الخلاف محتدماً لدى صناع القرار الأمني والعسكري الإسرائيلي، فضلاً عن حالة الإرباك العامة التي أصابت حكومة تصريف الأعمال، عشية اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الخامسة، فيما يتعلق بالأسلوب الأفضل والشكل الأنسب للتعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية، لضبط الأمن فيها، وتحقيق الاستقرار، وتفكيك المجموعات الأمنية والخلايا المسلحة، واعتقال الناشطين والمشتبه فيهم، وإحباط العمليات المتوقعة وتحييد الشخصيات الخطرة، وتأمين المستوطنين وحمايتهم وممتلكاتهم.

 

يتفاقم الخلاف وتتعقد الحلول الممكنة في ظل تزايد عمليات المقاومة التي تنفذها قطاعات فلسطينية مختلفة، من مختلف الشرائح الاجتماعية والطبقات العمرية، ومن سكان المدن والمخيمات والبلدات على السواء، وما تلحقه هذه العمليات سواء نجحت أو فشلت، من نتائج سلبية على المجتمع الإسرائيلي، سواء كانت نتائجها سقوط قتلى ووقوع جرحى، أو تسببت في حدوث حالاتٍ من الخوف والفزع، والاضطرابات النفسية التي يتعقد علاجها ويطول زمنها، وتتفاقم مع مرور الوقت نتائجها السيئة، بكل ما تعنية من تداعيات مقلقة على الأسر اللصيقة والمجتمعات القريبة، والكلفة العالية التي يتطلبها العلاج والرعاية والمتابعة، حيث تشير سجلات الأطباء النفسيين، والمصحات النفسية الإسرائيلية العامة، إلى تزايد أعداد المرضى نفسياً، وارتفاع عدد المراجعين لهم، نتيجة الخوف والهلع والإحساس بدنو الخطر منهم.

 

أمام هذا الواقع المقلق تتعالى أصواتٌ إسرائيلية ومن بينها صوت وزيرة داخلية العدو إيليت شاكيد وغيرها، تدعو رئيس الحكومة يائير لابيد والمجلس الأمني المصغر، إلى سرعة الانعقاد واتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ من شأنها التعجيل بشن عملية عسكرية واسعة وشاملة، تطال كل مناطق الضفة الغربية، ولا تقتصر على محافظتي نابلس وجنين، وإن كانتا الأكثر سخونة وفعالية، والتي فيهما تجري أغلب عمليات المقاومة، ومنهما تنطلق إلى بقية المناطق، إلا أن اقتصار الحملة العسكرية عليهما من وجهة نظرهم، يعني انتقال الخطر منهما إلى غيرهما من المناطق، التي تبدي استعدادها لأن تتبع خطواتهما وتنفذ عملياتٍ موجعة مثلها.

 

يرى هذا الفريق أن الاجتياح الشامل، وتنفيذ عملية واسعة تشبه عملية "السور الواقي"، هي الوسيلة الأنجع والأسرع، وهي السبيل الوحيد لضمان أمن المستوطنات، والتخلص من حالة الصداع المزمن التي تعيشها الحكومة والأجهزة الأمنية، والسلطات المحلية للبلديات والمستوطنات، التي باتت مستنفرة على مدى الساعة، تحرس وتراقب وترسل المعلومات، وتعتقد أن وسيلتها لدفع الخطر وجلب الأمن واستعادة الحياة الطبيعية، لا تتحقق إلا باجتياحٍ جديدٍ لجميع مناطق الضفة الغربية، وإعادة تقسيمها وتصنيفها وفرض نظام أمني وعسكري شديد عليها.

أما الفريق الآخر، الذي يمثله قادة الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتهم رئيس الشين بيت "الأمن الداخلي الإسرائيلي"، ومعهم قطاع غير قليل من قدامى الأمنيين والعسكريين، وعدد من كبار الضباط المتقاعدين، ونخبٌ من الباحثين والمهتمين الاستراتيجيين، فيرون أن اجتياح الضفة الغربية ضمن عملية عسكرية واسعة وشاملة، بما يشبه عملية السور الواقي عام 2002، يعتبر خطأً استراتيجياً فادحاً، وسيكبد جيشهم خسائر فادحة، وسيوسع دائرة العنف، وسيدفع عناصر السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية للمشاركة في عمليات المقاومة، والانخراط في صفوف الانتفاضة إذا اندلعت.

 

يفضل هذا الفريق الحفاظ على شكل العمليات الأمنية الجارية، وتكثيفها إن تطلب الأمر، وتوسيعها في أكثر من مكان، ولا يرون بأساً في تزامنها، على ألا يبقى الجيش في المناطق، وإنما ينسحب بعد كل عملية، وبذا يتجنبون الخسائر الكبيرة في عناصر الجيش والوحدات الخاصة، وينأون بأنفسهم عن اعتراض الإدارة الأمريكية وبعض الدول العربية التي تتفهم عملياتها الأمنية، بينما لا تقوى على احتمال حربٍ أو اجتياحٍ واسعٍ للضفة الغربية، فضلاً عن أن كرة اللهب قد تخرج عن السيطرة وتكبر، ويعجز الجيش عن ضبطها في مكانها، فتتسع لتشمل كامل الضفة الغربية، وتطال البلدات العربية في عمق الكيان.

 

كما ينظر هذا الفريق بعين الخطورة إلى أن مثل هذه العملية قد تسقط السلطة الفلسطينية الضعيفة أصلاً، وقد تودي بهيبتها وتنهي سلطتها، ويفلت زمام الأمن من يديها، وتعم الانتفاضة كل الضفة الغربية وغيرها، وقد تنخرط عناصرها في صفوف المقاومة، وهي عناصر مدربة ومؤهلة، ولديها أسلحة وعندها خبرة، وحينها سيجد الجيش نفسه في مواجهة شديدة ودائمة مع الفلسطينيين، وهذا ما لا يرغب به الجيش، وما لم يستعد له.

 

بين هذين الخيارين، وتحت وقع سنابك هذين الفريقين، تمضي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قمع الضفة الغربية وسحق أهلها، والاعتداء على سكانها، فتجتاح مناطقها كل يومٍ وتقتل أبناءها، وتعتقل العشرات من رجالها ونسائها، وتعيث فساداً فيها، وتستمر في عملياتها العدوانية بما يجعل منها اجتياحاً كاملاً وحرباً شاملةً، تفرض على الفلسطينيين جميعاً مواجهتهم والتصدي لهم، وهو ما يقومون به يومياً، وقد أظهروا للعدو صموداً وثباتاً، وعناداً وإصراراً، وقوةً وعزيمةً، ولا أظنهم سيسمحون له بالتفرد بمناطقهم، ولا ببسط سيادته عليهم من جديدٍ، وإخضاعهم لقوته مرةً أخرى.

 

بيروت في 20/9/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjiQCqWSRBh706ZnBf9tfd6bD_t-tG3LUAjRAC7rSLAkOQ%40mail.gmail.com.

Sunday, 18 September 2022

{الفكر القومي العربي} الفلسطيني في وطنه علامةُ وجودٍ وثباته نصرٌ موعود




الفلسطيني في وطنه علامةُ وجودٍ وثباته نصرٌ موعود

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

لا شيء أعظم مقاومةً في فلسطين المحتلة، وأدعى إلى النصر والتحرير، وأقرب إلى العودة والتمكين، وأكثر ألماً للعدو ووجعاً له، وأشد خوفاً على مصيره وقلقاً على وجوده، من ثبات الفلسطينيين في أرضهم، وتمسكهم بحقوقهم، وصمودهم أمام ممارسات العدو وسياساته، وإصرارهم على مواجهته، وتحديهم لجبروته، وإذلالهم لجيشه، وصبرهم على معاناتهم، ويقينهم بانتصارهم، وثقتهم بمقاومتهم، واطمئنانهم إلى حتمية انتصارهم وزوال الاحتلال ورحيله، وطي صفحته وتفكيكه.

 

الفلسطينيون الباقون في وطنهم بقاء جبالها وسهولها، وبحرها وسمائها، والمتجذرون في عمقها تجذر أشجار زيتونها، والمنتشرون فيها انتشار زعترها وعوسجها، والمتضوعون عطراً في أرجائها عبق ياسمينها وأريج زنبقها، سيبقون أبداً شوكةً في حلق الاحتلال حتى يرحل، وصخرةً في وجهه حتى يتفكك، وسداً منيعاً يفشل مشاريعهم، ويبدد أحلامهم، ويحبط آمالهم، وينهي وجودهم مهما كانت قوتهم وعظمت قدراتهم تفوقت أسلحتهم، وأياً كان حلفاؤهم ورعاتهم ومؤيدوهم ومناصروهم.

 

الفلسطينيون باقون في حيفا ويافا، وفي عكا والناصرة، وفي الخضيرة والعفولة، وفي اللد والرملة، وفي القدس والنقب، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي المثلث ووادي عارة، وفي كل مكانٍ في فلسطين سيبقون، وفي كل بقعةٍ من أرضها سيكونون، وفي جنباتها سينتشرون، ولن يوقف امتدادهم عدو، ولن يحول دون بقائهم في أرضهم عسفٌ أو ظلمٌ، ولن يقوى متطرفٌ صهيوني أو يمينيٌ إسرائيلي من طردهم وترحيلهم، وسيتبدد حلمهم في قطار الترحيل، وسيموت مشروع "الترانسفير"، وسيولد مكانه حق الفلسطينيين في أرضهم وحدهم، وحينها سيخلق مشروع الترحيل المضاد و"الترانسفير" المعاكس، الذي سيكون يهودي الوجه صهيوني الهوية.

 

تراقب الإدارة المدنية الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة أعداد المواليد الفلسطينيين، وترفع تقاريرها اليومية إلى حكومتها وسلطاتها الحاكمة، وتكشف لهم عن عمق قلقها وشديد استغرابها من المتوالية الهندسية في أعداد المواليد الفلسطينيين، ويزيد في قلقها عدد المواليد الذكور الذين يفوقون بصورةٍ لافتة أعداد المواليد الإناث، وتذكر تقاريرهم أن هذه الظاهرة تشير إلى ظاهرةٍ عامةٍ وليست خاصة، وأنها حالة دائمة ومتجددة وليست طارئة أو عابرة، وأن أعداد الفلسطينيين في "مناطق الصراع" ستتجاوز في السنوات القليلة القادمة أعداد "اليهود" عموماً في فلسطين المحتلة.

 

أما عين وزارة داخلية الاحتلال فهي مفتوحة كلياً على الفلسطينيين القابضين على الجمر في الأرض المحتلة عام 1948، فهؤلاء لا يقلون خطراً عن فلسطينيي العام 1967، بل إنهم أشد خطراً على كيانهم، وأعدادهم المتزايدة كماً ونوعاً تقلقهم أكثر، فهم يمثلون اليوم نسبةً تتجاوز ألــــــ 10% من سكان الكيان، ولهم ممثلون وطنيون عنهم في "الكنيست الإسرائيلي"، وقد يصل عدد نوابهم إلى أكثر من 13 نائباً، وهم كبقية شعبهم في فلسطين التاريخية، يتزوجون مبكراً، وينجبون أكثر، ويعتزون بعدد أولادهم وزيادة نسلهم، ويفتخرون بكثرة أنسبائهم وسواد عشائرهم.

 

الهوية الوطنية الفلسطينية اليوم في فلسطين كلها تتشكل بقوةٍ كما لم تكن في أي وقتٍ مضى، وتتعمق في الأرض كما لم تكن في تاريخها، وعياً وفهماً وعقيدةً وانتماءً، فهم يصبغون أرضهم ويلونون بلادهم، وينغرسون فيها عميقاً، وينتشرون فيها بعيداً، وسحناتهم تتقدم، وأزياؤهم الوطنية تسود، ولغتهم العربية تعلو، ودينهم الإسلامي والمسيحي يسمو، ولا يفت في عضدهم جرائم القتل اليومية التي يمارسها العدو ضدهم، ولا عمليات التصفية والإعدام، أو قرارات التوقيف والاعتقال، والطرد والإبعاد، ولسان حالهم يقول أن الشهيد يعوض بألف طفلٍ وطفلٍ، والأسير من خلف الجدران ومن زنازين العزل يهرب نطفه ويرسل بعضه، فينجب من سجنه أطفالاً يحملون رسالته، ويرثون هويته، ويثبتون حقه، ويقارعون العدو بقوةٍ وبسالةٍ أكثر منه.

 

ظن العدو أن ثقافة اللجوء عند الفلسطينيين باقية، وأن سياسة النزوح عندهم موجودة، وأنهم عند كل حربٍ أو معركة، أو خلال أي عدوانٍ أو اجتياح، يهربون من بلادهم، ويتخلون عن دورهم، وأنهم سيكررون من جديد تجربتي اللجوء والنزوح كما في حربي النكبة والنكسة، وما علموا أن الفلسطينيين قد شطبوا من حساباتهم وأخرجوا من دائرة تفكيرهم مثل هذه الأفكار.

 

فهم لن يكرروا أبداً تاريخهم، ولن يعيدوا أخطاءهم، وسيبقون في أرضهم ولو زلزلها العدو تحت أقدامهم بسلاحه، أو أحرقها ودمر بنيانها بصواريخه، ولعل العدو قد أيقن تماماً أنه لن يتمكن من طرد الفلسطينيين مجدداً من أرضهم، ولن ينعم بتحقيق حلمه القديم "أرضٌ أكثر وسكانٌ أقل"، فهذا الشعب سيبقى، وأرضهم ستعود، وشعبهم إليها سيعود، ودولتهم فيها ستعلن، وعلمهم في سمائها سيرفع، وأذانهم في أقصاها سيصدح، كما أجراس كنائسها فيها ستقرع.

 

 

بيروت في 18/9/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3OjgVjFToretJgZ4CnpJEDkosHaHa_aUCBTgFrrMR_73N%2BQ%40mail.gmail.com.

Thursday, 15 September 2022

{الفكر القومي العربي} السورُ الواقي في نسختِه الجديدة وطبعتِه الثانية

السورُ الواقي في نسختِه الجديدة وطبعتِه الثانية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

أمام سيل عمليات المقاومة الفلسطينية، الشعبية والفصائلية، التي باتت تزداد أعدادها وترتفع وتيرتها، ويتنوع منفذوها، وتتشكل أسلحتها وتتطور أدواتها، ويتوسع إطارها من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها ووسطها، ويسقط فيها قتلى إسرائيليون وجرحى، وتضطرب الحياة وترتبك الحركة، ويشيع بين المستوطنين القلق ويسود في صفوفهم الخوف، وتعلن الأجهزة الأمنية عجزها عن السيطرة وتراجع قدراتها على الضبط وحفظ الأمن، ويحار المسؤولون الإسرائيليون عن وصف ما يجري وتفسير ما يقع.

 

تهدد حكومة يائير لابيد السلطة الفلسطينية بأنها ستنفذ في الضفة الغربية عمليةً عسكريةً جديدة، تشبه عمليتها الأولى التي نفذها أرئيل شارون عام 2002، وأطلق عليها اسم السوار الواقي، وفيها أعاد احتلال مدن الضفة الغربية، وبسط جيشه السيطرة الأمنية الكاملة على المنطقة المصنفة "A"، فضلاً عن سيطرته التامة على المنطقتين "B" و "C"، وأخضع الضفة الغربية بكاملها لإجراءاته الأمنية وسياساته العسكرية، وأصبح الجيش يجتاح متى يشاء أي منطقةٍ فيها، فيلاحق ويقتل ويعتقل، ويقتحم ويدمر ويخرب.

 

يهدد جيش الاحتلال المهزوزة صورته، والراحلة قيادته، والجديدة أركانه، في ظل تهديداتٍ متصاعدة شمالاً من لبنان وسوريا، وجنوباً من غزة ومقاومتها المتربصة، ونووياً من إيران ومشروعها، بأنه سينفذ المهمة العسكرية بنفسه، وسيجلب الأمن لمستوطنيه بيده، وسيفرض الاستقرار والهدوء في الضفة الغربية، في عمليةٍ جديدةٍ يطلق عليها اسم "السور الواقي 2"، وكأنه قبل اليوم لم ينفذ عملياتٍ عسكريةٍ قاسيةٍ لم تنته، فجيشه يجتاح ويقتحم، وأجهزته الأمنية تنفذ عملياتٍ نوعيةٍ، وفرقه المستعربة تقوم بعمليات إعدامٍ وتصفيةٍ علنيةٍ في الشوارع والطرقات، ويقوم الجيش بتأمين دخولهم وضمان خروجهم سالمين من مناطق المهمات الخاصة.

 

رغم هذه التهديدات المتصاعدة والتصريحات الإسرائيلية اللاهبة، التي لا يلتفت إليها الفلسطينيون ولا يعبأون بها، فهم يقولون للعدو "أعلى ما في خيلك اركب"، إذ لن يصيبهم أكثر أو أسوأ مما أصابهم، ولسان حالهم يقول "أنا الغريق فما خوفي من البلل".

 

فالعدو لم يوقف في تاريخه حملاته العسكرية والأمنية عليهم، وما زالوا حتى اليوم يواجهون عمليته المستمرة المسماة "كاسر الأمواج"، التي لم تحقق شيئاً من أهدافهم، ولم تمكن رؤساء حكوماتهم من تسجيل نقاط كسبٍ لصالحهم، بل عكس ذلك أصابهم، إذ زادت عمليات المقاومة الفلسطينية حدة، وإن كانت أعداد شهدائهم في ازدياد، إذ لا يجد العدو سبيلاً لمواجهتهم إلا المزيد من القتل والاعتقال، وهذا سبيلٌ سلكه من قبل ولم يتوقف عنه، ولم يستفد منه أو ينجح فيه، وقد ذاق مرارته الفلسطينيون ولم يهزموا أمامه أو ينكسروا له ويخضعوا، ولم يخافوا منه ويجبنوا.

 

يبدو أن عيون العدو مفتوحة على جنين، محافظةً ومدينةً ومخيماً، ويريد أن ينفذ فيها، رغم خسارته المؤلمة وخزيه الشديد، ما نفذه ضد مخيمها عام 2002، فجنين توجعه وتؤلمه، وتواجهه وتتحداه، وتهزأ به وتتهكم عليه، وتحرجه وتستخف به، وتصمد في وجهه وتبزه، ورجالها يجوبون الآفاق يلاحقون جنوده ومستوطنيه، وينفذون في عمق المدن "الإسرائيلية" أكبر العمليات، ويسطرون بشجاعتهم أعظم الملاحم، وقد أعيته هذه المدينة التي يرتبط اسمها باسم عز الدين القسام، فتزداد بالنسب قوةً، ويتعاظم دورها بالأمل المعقود عليها عملاً، ويخشاها العدو ورجالها فعلاً.

 

إلا أن جنين لم تعد وحدها، فهذه نابلس تتنافس معها، وتتقدم عليها وتدعمها، ويخوض أبناؤها إلى جانب أبطال جنين عملياتٍ مشرفةٍ، يرسلون من خلالها رسائل عديدة، أولاها إلى العدو أن الضفة الغربية لن تخمد جمرتها، وأن مدينة جبل النار لن ينطفئ أوارها، وأن المقاومة مستمرة، والصمود باق، وأن التضحيات تزيدها قوة ولا تقعدها، وتجدد ثورتها وتضخ دماءً جديدةً في مقاومتها.

 

أما أخوات نابلس وجنين، فهن ضواري مثلهن، ويتربصن كشقيقاتهن، ويتهيأ أبناؤها لأن يكون لهم دورٌ في الصدارة، وسهمٌ في المقاومة، فهم يعلمون أن "وفي هذا فليتنافس المتنافسون"، وقد قرروا المنافسة، وأعدوا عدة المواجهة، وأياً كانت خطة العدو وعمليته، كاسر الأمواج كانت أو سوراً واقياً كررت، فإن المقاومة كفيلةٌ أن تنسي العدو برجالها وساوس السيطرة، وأحلام الهيمنة، وأماني الأمن ورجاء الاستقرار.

 

الضفة الغربية كما غزة وعموم فلسطين، يقولون بالدم والنار أنه لن يهنأ في فلسطين عدوٌ غازي، ولن يستقر في بلادنا وافدٌ مستوطنٌ، وعِبَرُ الزمان حاضرة ودروس التاريخ ماثلة، وكما سادوا وبادوا، وسُبُوا وطردوا، وأصبحوا ممالك سابقة وهياكل ساقطة، فإن التاريخ سيتكرر، والطرد سيتحقق، والسبي الجديد سيكون، والحق المشروع لشعب فلسطين سيعود، والنصر المكين لهذه الأمة سيتحقق، وحينها سيعلم الذين ظلموا عاقبة جريمتهم وخاتمة عدوانهم.

 

بيروت في 15/9/2022

moustafa.leddawi@gmail.com

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To unsubscribe from this group and stop receiving emails from it, send an email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
To view this discussion on the web visit https://groups.google.com/d/msgid/alfikralarabi/CA%2Bk3Oji-X%2BtQV3LCRxgAWvPyK0cVnTcRwkQTo4ZQMDhwHJCbyA%40mail.gmail.com.