الفيتو الروسي– الصيني حول سوريا إشارة واضحة الى تغيّر المعادلة الدولية بإتجاه التوازن القاري غروب في الولايات المتحدة الأميركية.. وشروق في آسيا بقلم كمال شاتيلا رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني عميد المركز الوطني للدرسات في لبنان بغض النظر عن اختلاف وجهات النظر بالأزمة السورية، والتي وصل بعضها للدعوة الى مقاطعة البضائع الصينية الروسية كما فعل الشيخ القرضاوي، فإن الفيتو الروسي- الصيني في مجلس الأمن ضد مشروع أطلسي صريح حول سوريا، هو إعلان واضح بنهاية مرحلة الإنفراد الأميركي بالقرار الدولي. وقبل أن أتناول أبعاد المعادلة الدولية الجديدة، أطالب الشيخ القرضاوي وهو عالم كبير، بالتراجع عن هذه الفتوى التي تلتزم بها جماعات إسلامية معروفة بمزاحمتها للأزهر الشريف كمرجعية إسلامية أولى. فحين يدعو الشيخ القرضاوي الى مقاطعة روسيا والصين، فإنه يقدم خدمة كبرى لدول حلف الأطلسي الاوروبية – الاميركية. ولم نسمع بفتاوى للشيخ الموقر بشأن ما فعله حلف الاطلسي في ليبيا من قتل مئة ألف إنسان عربي مسلم وتدمير كل البنية التحتية الليبية، ولم نسمع منه فتوى ضد إستغلال الاميركيين للانتفاضات العربية، ولا سمعنا منه موقفاً من مشاركة أحزاب اسلامية في العملية السياسية مع الاميركيين خلال تدمير العراق، ولم نسمع له فتوى عن مؤتمر هرتزيليا الصهيوني الذي تشارك فيه شخصيات عربيةً. إن من حق الشيخ القرضاوي أن ينتقد السلطات السورية، لكن ليس من حقه تبرير تحركات سلطات الأطلسي ضد الأمة وباسم الاسلام، خاصة وأن المشروع الصهيوني الاميركي عبر مشروع الشرق الاوسط الكبير يرمي الى تقسيم سبعة دول عربية. ومن حقنا أن نطالب الشيخ قرضاوي بالتزام الثوابت الاستراتيجية للامة والتراجع عن مواقفه التي تصيب الاسلام والمسلمين بأفدح الأضرار. ونعود الى المعادلة الدولية الجديدة، فقد كان لنا موقف بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989 وملخّصه أنه ليس بوسع الولايات المتحدة الأميركية الانفراد بالقرار الدولي الأحادي أكثر من عشر سنوات، لان الاقتصاد الاميركي شبه مفلس على حد تعبير الفيلسوف بول كندي، والقوى الآسيوية تمكنت من الاستحواذ على اكثر من نصف المالية العالمية، حتى أصبح بنك التنمية الاسيوي أهم وأغنى من البنك الدولي. وانتقلت التكنولوجيا والصناعة والاموال الى الصين ومعها الهند واليابان. والقوى الاسيوية هي قوى صاعدة تعتمد على الاصالة والمعاصرة والانتاج والادخار مقابل اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على الاستهلاك والديون. لقد وصل الغرور بالأميركيين أن طوقوا روسيا بقواعد عسكرية (الدرع الصاروخي) وتجرأوا أكثر على نصب الصواريخ في تركيا على الحدود الروسية. ان الفيتو الروسي المذكور أعلاه لم يكن ضربة مفاجئة للأميركيين، فقد سبقه اعادة تحليق الطائرات الروسية الاستراتيجية فوق الاطلسي، وسبقه الدعم الصاروخي الروسي لفنزويلا في قلب القارة الاميركية، وسبقته صفقات أسلحة لبعض الدول العربية، الى ان جاء الاعلان في مجلس الامن عن سقوط الاميركان عن عرش ادارة الساحة الدولية. إننا نشهد اليوم توازناً دولياً جديداً يحل مكان الاحادية والتوازن الايديولوجي السابق. انه تقريباً توازن قاري، مع انتقال مركز القوى العالمية من الاطلسي الى آسيا. إن الولايات المتحدة الأميركي تشهد الغروب وآسيا تشهد الشروق. لذا لن تتوقف مفاعيل المعادلة الدولية الجديدة على موضوع سوريا، انه صراع مفتوح في كل القارات ومنها على وجه الخصوص منطقة العالم الاسلامي والامة العربية في وسطه. حينما كان التنافس الاميركي السوفياتي في الخمسينيات، استفادت منه حركة التحرر العربية لتوجيه ضربة كبرى لمصالح الاطلسي. فبعد تأميم قناة السويس بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وبعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لم تتغير المعادلة فحسب، بل كانت هذه المعركة بداية تحرر الأمة من الجزائر الى عدن من الاستعمار الأوروبي. أرجو من القادة العرب أن يعوا حقيقة هذه التطورات الدولية والتغيّر في موازين القوى العالمية. فليس من مصلحتنا كعرب ومسلمين أن نستمر في موالاة الاميركيين. من مصلحتنا الاستفادة من هذه التطورات الدولية لتحقيق مصالحنا والحفاظ على ثرواتنا، ووضع حد للهمجية الصهيونية. من مصلحتنا التقدم على طريق التكامل الوحدوي، وتطوير الجامعة العربية باتجاه اتحادي. من مصلحتنا اعادة النظر بالنهج الاقتصادي الامسركي الذي ضرب الاقتصاد العربي في الصميم طوال المرحلة الماضية، والعمل على نهوض اقتصادي متكامل. ان الهيمنة الأميركية على المنطقة العربية، منذ معاهدة كامب دايفيد عام 1979، تمددت بصورة كاسحة في عهد الرئيس جورج بوش، وأطاحت بالكثير من مقومات الاستقلال الوطني للبلاد العربية. لقد توسع التطبيع مع الصهاينة ليشمل سبع دول عربية، فيما واصل العدو الصهيوني ابتلاع الضفة الغربية بالمستوطنات واستمرفي تهويد القدس، وتحطمت الصناعات الوطنية، وانتشر البؤس والتخلف في كل مكان، وإنهار التعاون العربي بكل أشكاله، مقابل تطوير العلاقات العربية الرسمية مع الاميركيين والصهاينة. في الحقبة الاميركية تعملق الاقزام وتحجّم العمالقة، وتم اختراق سبع دول عربية بمشروع الاوسط الكبير عبر اطلاق موجات تقسيمية عرقية وطائفية ومذهبية حتى تحطم الأمن القومي العربي الشامل. اليوم تتغير موازين القوى الدولية، فاذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تحقق بعض النجاحات في استغلال انتفاضات عربية، الاّ أنها تخسر على المستوى الاستراتيجي، وبات من المستحيل أن تبقى دولة عظمى. إنها تتحول الى دولة كبرى فيما تتقدم روسيا والصين الى موقع الدول العظمى. لقد تلاشت قدرات الأمة العربية مع الهيمنة الأمريكية، حتى أصبحت مطمعاً لقوى إقليمية ودولية، وضاعت الشخصية القومية للامة العربية . اليوم نحن امام محطة جديدة كعرب مع أمل متجدد بالنهوض، اذا عرفنا كيف نستفيد من التوازن الدولي الجديد. إننا سنستفيد إذا تحولت النظم العربية الى نظم سياسية واقتصادية ترضي شعوبها. ولن ترضى الشعوب بغير حرية الأوطان وكرامة الانسان العربي وحرية المواطنين وبالمشاركة الاهلية في القرار وترسيخ الحريات العامة وحقوق الانسان والتعددية السياسية والاعلامية، وبناء قوة اقتصادية تلبي حاجات الناس وفق خطط تخدم الأغلبية الشعبية وليس حكم الفرد أو الطبقة أو الحزب الواحد. إننا كعرب أمام فرصة تاريخية للنهوض والتقدم الى الأمام وهزيمة التخلف والاستبداد.اننا أمام فرصة للتكامل العربي. ان الايمان الديني بلا عصبية وبلا تفريط أو افراط هو قوة لنا، والطائفية والعصبية المذهبية تدّمران أي تقدم عربي الى الامام. وإان العروبة الحضارية الجامعة التي تؤكد على المواطنة المتساوية هي الحافظ للوحدات الوطنية وللهوية العربية للمنطقة. ان كل طاقة تُبذل لتوظيف التوازن الدولي الجديد لمصلحتنا العربية تدخل في حساب قوتنا، وكل إهدار لحقوقنا واستمرار التبعية لبعض أنظمتنا يخرج العرب من أي حساب. ---------------------------- 8/2/2012 |
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To post to this group, send email to alfikralarabi@googlegroups.com.
To unsubscribe from this group, send email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
For more options, visit this group at http://groups.google.com/group/alfikralarabi?hl=en.
No comments:
Post a Comment