Thursday, 16 February 2012

{الفكر القومي العربي} نص الهوية الفلسطينية الأقدم


هذا المقال لزكريا محمد
 
 
 
نص الهوية الفلسطينية الأقدم
 
تعاني دراسة الهوية الفلسطينية من نقص النصوص. فبالكاد يعثر الباحثون على نص واضح يتحدث عن هوية فلسطينية قبل نهاية القرن التاسع عشر، أو حتى قبل بداية القرن العشرين. ويسهم هذا النقص في تقبل الفكرة الصهيونية الشائعة التي تقول أن الهوية الفلسطينية كانت، بالأساس، رد فعل على الحركة الصهيونية. وهذا ما يحاول تأكيده بعض الصهاينة، مثل مئير بئيل، الذي أطلق الفكرة التي تقول أن الحركة الصهيونية هي التي خلقت، في الواقع، الهوية الفلسطينية: "الحركة الصهيونية هي أنجح الحركات القومية في التاريخ. فهي قد بدأت بغرض تأسيس جماعة قومية واحدة، وانتهت بتأسيس جماعتين". فالحركة الصهيونية خلقت هوية إسرائلية وهوية فلسطينية. يعني (فيلمين بتذكرة) على حد تعبير دور السينما الهابطة.
لكننا نعتقد جزءا من الافتقاد إلى النصوص يعود إلى أننا نكتفي بالبحث عنها في نهايات العصر التركي فقط، ولا نمد أيدينا إلى ما بعد هذه الفترة. دليل ذلك، أن لدينا نصا واحدا على الأقل يثبت أن طرازا ما من هوية فلسطينية كان موجودا منذ ألف سنة على أقل تقدير. هذا النص كتبه واحد من أهم مثقفي فلسطين القدماء، وواحد من نخبة الثقافة العربية في عصرها الكلاسيكي، ألا وهو الجغرافي المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم). والكتاب نتاج رحلات جغرافية قام بها المقدسي في نهاية القرن العاشر الميلادي، وشملت مناطق عربية وإسلامية. وفي هذا الكتاب ينقل لنا المقدسي حوارا مدهشا دار بينه وبين بنائين من مدينة شيراز، أثناء وجوده في بلاد فارس:
(جلست يوما إلى بعض البنائين، أعني بشيراز، وأصحابه ينقشون بمعاول وحشة (= سيئة)، وإذا حجارتهم على ثخانة (= سُمك) اللبن، فإذا اعتدلت قدروها ثم خطوا خطا وقطعوه بالمعول (=الشاكوش) فربما انكسرت البلاطة، فإذا اعتدلت أقاموها على حدها (= وضعوها في البناء على طرفها). فقلت لهم:
لو اتخذتم مسفنة {= إسفينا، إزميلا}، وربّعتم الأحجار. وأحكيت لهم مسائل في البناء.
فقال لي الأستاذ: أنت مصري؟
قلت: لا، أنا فلسطيني.
قال: سمعت أن عندكم تخرّم الأحجار كما يخرّم الخشب.
قلت: أجل.
قال: أحجاركم لينة ولصناعتكم لطافة).
والمقدسي يعرف في حرفة البناء لأن جده كان مهندسا معماريا عظيما. فهو الذي أرسى أسوار عكا في البحر لحاكم مصر. وعلى قاعدة هذه الأسوار بالذات، نجح أحمد باشا الجزار في الصمود أمام حصار نابليون.
على كل حال، فإن هذا النص المفاجئ، والخاص جدا، يدحض فكرة حداثة الهوية الفلسطينية. فها هنا نجد مثقفا مقدسيا من الطراز الأول يعلن، ومن دون لعثمة، أنه: فلسطيني! هذا من العلم أن هذا المثقف لم يعان من نقص في الهويات أبدا. فهو ذاته يعلن في كتابه أن كان بست وثلاثين هوية:
(ولقد سميت بستة وثلاثين اسما، دعيت وخوطبت بها: مقدسي وفلسطيني ومصري ومغربي وخراساني وسلمي ومقرئ وفقيه وصوفي وولي وعابد وزاهد وسياح ووراق ومجلد وتاجر ومذكَر وإمام ومؤذن وخطيب وغريب وعراقي وبغدادي وشامي وحنيفي ومتؤدب وكرَي ومتفقه ومتعلم وفرائضي وأستاذ وداشموند وشيخ ونشاسته وراكب رسول، وذلك لاختلاف البلدان التي حللتها، وكثرة المواضع التي دخلتها).
وهكذا فقد كان مدموغا بكل الهويات التي كان من الممكن أن يدمغ بها المرء في عهده في فلسطين؛ فهو مقدسي، فلسطيني، شامي، حنفي، وراق... إلخ. وقد كان بإمكانه أن يلتقط أي واحدة من هذه الهويات لكي يعرَف نفسه أمام بنائي شيراز. لكنه اختار من بينها جميعا هويته العامة الأصل: فلسطيني! إنه فلسطيني قبل كل شيء.
وعلينا أن نلحظ أن نص المقدسي نص احتكاك بامتياز، أي أنه نص توضيح الهوية في مقابل هويات الآخرين. فهو فلسطيني في مقابل: مصري أو شيرازي- فارسي. فماذا يقول لنا هذا النص؟ إنه يعلن:
أولا: أن ثمة في وعي المقدسي إقليما محددا ومتميزا يمكن مناظرته بمصر يدعى فلسطين.
 ثانيا: أن المقدسي ينسب نفسه إلى هذا الإقليم جملة وطواعية، داعيا نفسه بالنسبة إليه: فلسطيني، رغم وجود هويات أخرى يمكنه أن ينتسب لها.
ثالثا: ومن الصعب الاعتقاد أن هذا الانتساب إلى هذا الإقليم كان مسألة تخص المثقف الفرد المقدسي وحده، أي أنها هوية اخترعها بذاته ولذاته. عليه، يحق لنا الافتراض أن النخبة المثقفة في هذا البلد وقتها، أو قسما لا بأس به منها، كانت في القرن الرابع الهجري ترى نفسها كنخبة فلسطينية، أي كنخبة منتمية إلى إقليم محدد، إلا إذا افترضنا أن المقدسي كان طلعا غريبا في هذا البلد- الإقليم.
رابعا: أنه إذا ما صح هذا فمن المستحيل أن تكون هذه النخبة قد لبست هذه الهوية هكذا في عزلة تامة عن الناس العاديين، ناس الشارع، في فلسطين. أي أن لنا أن نفترض أن الناس كانت، على الأرض، وفي حدود ما، ترى نفسها كمجموعة تنتمي إلى إقليم معين يدعى فلسطين، رغم تعدد الولاءات والهويات المنافسة.
خامسا: أن من استمعوا إلى المقدسي لم يستغربوا هويته المدعاة ولم يتساءلوا عنها، بل أكدوها، وهذا يعني أنهم يتعاملون معها كهوية مقبولة مرتبطة بإقليم محدد.
عليه، وباختصار، فهذا النص يشير إلى وجود هوية خاصة فلسطينية، في حدود ما. صحيح أن هذه الهوية قد تكون مختلطة بهويات أخرى أوسع أو أضيق: شامية، إسلامية، مقدسية، أو غيرها، لكنها قادرة على الإعلان عن ذاتها بوضوح، بل وقادرة على أن تضع نفسها فوق جميع الهويات الأخرى في لحظة محددة.
وعلينا أن نشير هنا إلى أن لغة المقدسي في كتابه تحمل دلائل على وضع اللهجة الفلسطينية في وقته، أي قبل ألف سنة من الآن. فهو يعمد إلى استخدام كلمات من هذه اللهجة في كتابة، كما رأينا في المقتبسات السابقة (أحكيت، بلاطة، مسفنة، ثخانة، فلق، وحش). ومن خلال هذه الكلمات التي ما تزال مستخدمة حتى الآن نستطيع أن نقول أن هذه اللهجة هي ذاتها منذ ألف عام، من حيث الجوهر.
هذه الهوية التي حملها المقدسي كانت في جذر الهوية الفلسطينية الحديثة كما نعتقد. فالهوية التي أخذت تنبثق منذ منتصف القرن التاسع عشر أو قبله، كانت مجرد تحديث وتعميق للهوية الكلاسيكية القديمة. وهي هوية لا تجد نفسها في مواجهة محيطها العربي، بل هي هوية تحفظ نفسها من أجل هذا المحيط بالذات. فدفاعها عن ذاتها هو دفاع عن هذا المحيط.
 
__._,_.___
Recent Activity:
Messages in this forum reflect the author's opinion only and do not necessarily express the Forum�s point of view
.

__,_._,___


No comments:

Post a Comment