Tuesday, 8 January 2013

{الفكر القومي العربي} الاسلام و الحرية‎ بقلم الناصر خشيني


الاسلام و الحرية‎ بقلم الناصر خشيني

الناصر خشينيمما لا شك فيه أن الحرية تعني الكثير بالنسبة للمحرومين منها في حياتهم ماديا و معنويا وقد عانت البشرية كثيرا من سلبها عبر تاريخها الطويل و قدمت في سبيل ذلك أنهارا من الدماء سالت على مذبح الحرية المقدس بل ان كل معاناة البشرية بالأمس و اليوم و الغد في سبيل تحقيق أسمى شيىء تحلم به و هو الحرية و لكن الانسان الذي خلقه الله و أودعه الجنة ليمارس أقصى حرية و متعة له فيها بشرط الطاعة المطلقة لله خرق هذا الناموس الالاهي وتمرد عليه ظنا منه أنه يمارس حريته فكانت النتيجة أن خرج من حرية الجنة إلى جحيم الدنيا و هو يأمل أن يعود مرة أخرى لما خرج عنه بسوء تدبيره و مخالفته لأ وامر الله فيرسل الله الرسل تباعا في أوقات الانحراف و الظلال هداية للبشرية إلى سواء السبيل علها تعود من جديد إلى المنبع الحقيقي للحرية إلى أن يصل الأمر إلى نهاية المطاف بالرسالة المحمدية و دين الاسلام فكيف كان النظر إلى الحرية وما السبيل لتحقيقها للانسان فردا و مجتمعا ؟ للاجابة على هذا السؤال لا بد أن ندرك ان الاسلام دين عالمي و شامل و خاتم ومناسب للفطرة السليمة اضافة إلى عقلانيته المتميزة بحيث انه آخر الديانات للبشرية ونهاية المطاف بالنسبة لكل الديانات السماوية ولهذا السبب جعله الله دينا عالميا عاما للبشرية قاطبة فلا يخص جنسا معينا أو هو لأمة من الأمم دون بقية الناس أو لقبيلة من دون الناس جميعا فهو لكافة الناس كما قال تعالى في محكم تنزيله : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ) 28 سبأ وهو بهذا المعنى ملكية مشتركة للبشرية جمعاء لأنه يناهض العنصرية والقبلية و التعصب و العرقية حيث أشار الرسول عليه السلام إلى أنها منتنة فلا بد من تركها استجابة لتوجيهاته عليه السلام في حين كانت بقية الديانات السماوية السابقةلا تشاركه هذه الميزة الأساسية فيه لأنها بكل بساطة موجهة لأقوام الرسل وقبائلهم وعشائرهم من دون الناس وذلك أن المجتمعات البشرية في تلك الأوقات كانت من الناحية الإجتماعية ضمن المراحل الأولى للتطور الإجتماعي انطلاقا من الأسرة فالعشيرة فالقبيلة إلى الأمة حاليا والمجتمع الإنساني مستقبلا فكانت تلك الديانات خاصة تبعا للأطوار الإجتماعية وقتها وبناء عليه فالإسلام يتميز عنها أيضا بمميزات أخرى فما هي ؟ كما أنه دين شامل لكل جوانب الحياة الدنيوية والأخروية قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا ) 3 المائدة بحيث لم يفصل بين الدين و الدنيا و العبادة و الحياة فالكل عنده سواء في المفهوم الإسلامي من حيث صلة الحياة بالعبادة وذلك أن العمل عبادة و البحث العلمي عبادة و الزواج إكمال لنصف الدين و الطلاق إلتزام بأحكام الشرع وسائر العقود عبادة و الأخلاق الفاضلة عبادة بحيث تستحيل حياة الإنسان من أول مولده إلى ما بعد وفاته إلى إلتزام بأحكام الدين وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى حالة ذلك الصحابي الذي كان يكثر من المكوث في المسجد للصلاة فلما سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعوله فقيل له أخوه فقال أخوه أعبد منه وبناء عليه شملت تعاليم ديننا الحنيف كل المجالات كالعقيدة و العبادات و المعاملات والأخلاق . كماأن الدين الإسلامي من ناحية أخرى هو دين الواقعية من حيث مراعاة ظروف الإنسان و مدى قدرته على أداء التكاليف في ظروف مريحة دون إرهاق بدني او نفسي فالله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ومن هنا فهو دين اليسر لا العسر و رفع الحرج و المشقة عن الناس و جلب التيسير لهم سواء في العقيدة بحرية التدين قال تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) 256البقرة أو في العبادات من حيث كافة أنواع التيسير فيها وهي من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة وفي مجال المعاملات فهناك إقرار لمبدإ اليسر و الضرورات تبيح المحظورات والمشقة تجلب التيسير . كما أنه دين المناسبة للفطرة أي الطبيعة الأصلية للإنسان بحيث لم يقع قمع مطالب الإنسان الحيوية كالتمتع بطيبات الحياة المشروعة كالمأكل و الملبس و السكن و التمتع بالجنس و التمتع بالحرية الكاملة فالإسلام سمح بها جميعا بعد أن هذبها و نظمها و ترك الإنسان يعيش حياة طبيعية . ثم إن هذا الدين و بانظر لهذه الخاصيات فإنه آخر الديانات فمن الطبيعي أن يكون دين الحرية و إعمال العقل و القرآن الكريم حافل بهذا المجال ما في ذلك من شك لذا فهو دين الإنسانية ومستقبل البشرية لن يكون في أفضل حال بدونه وقد بشر الله المؤمنين بالإستخلاف في الأرض بقوله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا و من كفربعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) 55 النور ومن هذا المنطلق لا يسعنا إلا أن نؤكد أن الإسلام بهذه المواصفات هو بكل تأكيد دين الرحمة والحرية و الإبداع الإنساني تحقيقا للأهداف الكبرى التي من أجلها خلق الله الإنسان الا وهو دوره في خلافة الله في الأرض و عمارة الكون في نطاق القيم الكبرى من عدل و إخاء و تعاون لذا فهم اسلافنا حقيقة الدين الجوهرية من نقطة الحرية هذه و انطلقوا فاتحين لا مستعمرين يبشرون بحضارة العدل والحق و الحرية في إطار من الإجتهاد البشري لا متعسفين و لا ملغين لغيرهم ولا مقصين لمخالفيهم وقد نظروا في العقيدة الإسلامية بعقولهم فلم تتفق مواقفهم البشرية فاختلفوا فرقا جميعها تعبد إلاها واحدا ونظروا في الشريعة بأفكارهم البشرية فاختلفوا فيها إلى مذاهب فقهية متعددة دون الخروج عن القاعدة الأساسية التي تحكمهم جميعا وهي الإحتكام للقرآن و صحيح السنة النبوية وبهذه الأفكار التقدمية و التحررية في التعامل مع الشريعة السمحة و التي تؤمن بمكانة الإنسان خليفة الله في الأرض امكن لهم بناء أرقى حضارة لا تزال آثارها فاعلة و مؤثرة إلى الآن ولكن المسلمين لما توقفوا عن هذه الحرية الفكرية وانساقوا إلى اتجاه فكري واحد وتعصب كل منهم لموقفه الفكري ظنا منه أن ذلك هو حقيقة الدين وهو لا يعدو كونه موقفا بشريا وكانت النتيحة مأساوية للأمة إذ آل أمرها إلى الإنحطاط و التردي و لم يستفق المسلمون إلا و الأوروبيين الذين انهزموا أمامهم في الحروب الصليبية يعودون من جديد لإحتلال بلدانهم و تمزيقها و انتهاب خيراتها وكان رد فعل الأمة متمثلا أساسا في حركة النهضة وإسهامات روادها الأوائل سواء في المشرق أو المغرب العربي وهكذا عادت إلى الساحة العربية و الإسلامية العقلانية الإسلامية التي كانت سببا في نهضة الأمة قديما ومن شأنها أن تنير سبيل الأمة حاضرا و مستقبلا وهي الكفيلة بالدفاع عن الأمة في مواجهة أي تحد مهما كان نوعه لذا لا خوف على الأمة من أية مخاطر بعد أن سجلت حضورها وبقوة على الساحة الفكرية العالمية بنهضتها التي لن تتوقف بإذن الله إلا بعد تحقيق الأمة لكل أهدافها في التحرر والوحدة والحصول على المكانة التي تستحقها في العالم .

 

وتبعا لهذه الميزات فمن الطبيعي أن يكون دين الحرية الحقيقية للبشرية وان أقصى فهم للحرية في الاسلام يخضع لمعادلة بسيطة و واضحة تماما و لكنها تحمل في طياتها كل أبعاد الحرية الحقيقية للانسان عقائديا

و سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و بيئيا و كونيا فكل هذه العناصر جميعا مرتبطة أشد الارتباط بالحرية التي تعني في مفهومها الاسلامي الواضح التوحيد اذ الحرية تعني التوحيد الذي بدوره يعني الحرية فما الذي نعنيه ؟ الحرية في الاسلام عقائديا التوحيد لله تعالى و عدم الاشراك به و التوجه له وحده دون سائر المخلوقات الأخرى بالعبودية في هذا الأمر بالذات تنقلب الحرية و التوحيد إلى عبوديةوخضوع وطاعة و امتثال ولكن لمن لله تعالى صاحب الأمر و النهي في هذا المجال و بذلك يتحررالانسان حقيقة من سائر العبوديات الأخرى المذلة و المهينة لكرامته وكبريائه و دوره العظيم في هذا الكون وهو خلافة الله في الأرض . فالحرية في الاسلام تعني التوحيد المطلق للهتعالى بما يعني عدم الخضوع و الاذلال و التضرع لغير الله تعالى فحتى الكون بعظمته مجال حيوي لابراز قدرات الانسان على استثماره و استغلاله لأنه موضوع سخرة له قال تعالى ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ) 13 الجاثية كما أنه في مفهوم اسلام التنزيل لا يمكن لشخص أن يستعبد انسانا آخر انسجاما مع المبدأ الاسلامي الشهير في قولة عمر ( متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ) متساوين لا فضل لأحد منهم على آخر الا بالتقوى والعمل الصالح اتساقا مع قوله تعالى (ان أكرمكم عند الله أتقاكم ) 13 الحجرات . كما يعلن الاسلام بالرغم من دعوته إلى التوحيد الالاهي أن ( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) 256 البقرة وبذلك يقرر حقيقة الحرية في الاعتقاد و لا يفرضه فرضا بل يريد أن يقتنع الناس بحقائقه الموضوعية التي تقبلها عقولهم دونما ضغط أو اكراه

نشر في ثقافة وفنون, حقوق الإنسان, كتاب التقدمية
--

--
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "الفكر القومي العربي" group.
To post to this group, send email to alfikralarabi@googlegroups.com.
To unsubscribe from this group, send email to alfikralarabi+unsubscribe@googlegroups.com.
For more options, visit this group at http://groups.google.com/group/alfikralarabi?hl=en.

No comments:

Post a Comment