| هذه الأسطر القصيرة أدناه كتبها صديقنا العميد المتقاعد ناجي الزعبي عن ذكرى حدثت معه في حرب تشرين 1973. سؤالي: هل تعتقدون أن عقيدة ضباط وأفراد الجيش العربي الأردني تغيرت؟ لا يمكن. لا يمكن عربياً أردنياً أن يقاتل رفاقه في الجيش العربي السوري. لا يمكن إطلاقا، فاختصروا السيرة وعودوا إلى رشدكم، فمال النفط، ظاهره وباطنه، لن يغير الدماء في عروقنا. ب.أ.غ. حدث عام 1973 ناجي الزعبي كانت السيارة العسكرية التي أقلتني، "الروفر شاصي قصير"، كما كنا نطلق عليها تجتاز الحدود الأردنية السورية إلى الجولان, حيث كنت في مهمة عسكريه تمهد لدخول قطعات عسكرية أردنيه وعربية للمشاركة في القتال ضد العدو الصهيوني إلى جانب القوات السورية . وعند نقطة الحدود السورية فسح مسؤول الحاجز الطريق بعد أدائه التحية العسكرية وإزالته الحاجز دون أي سؤال. استمرت السيارة في سيرها تتهادى باتجاه الشيخ مسكين, وقد أبدى سائقها الرقيب "علي" سعادته مما جرى على الحاجز قائلا: هذا هو الوضع الطبيعي سيدي, نستقبل بعضنا البعض دون حدود وإجراءات, وتؤدى التحية للضباط , وتزول الحدود. يا رب تزول كربة سوريه وتستمر الوحدة بيننا . تبسمت وأبديت سعادتي بإيماءة من رأسي, دون أن انبس ببنت شفة, فقد أخذ القلق يساورني كلما اقتربنا. كانت وجهتنا جبهة القتال, وكان أزيز الطائرات يكاد لا ينقطع, ودوي المدافع والدبابات يزداد وضوحا, ولم يكن ذلك أمرا يبعث على السعادة . اجتزنا الشيخ مسكين باتجاه الغرب وأخذنا نسلك طرقا غير معبده مما فاقم قلقي, تبدت معالم الجبهة وأخذت أرى قذائف الدبابات وهي تتساقط والطائرات تقذف حممها, فساورني الخوف, فهي تجربتي الأولى, لكننا واصلنا المسير، وأطبق الصمت على كلينا فقد كانت معالم المعركة تتضح . فجأه شاهدت صبية لم تتجاوز العقد الثالث ترعى قطيعا من الغنم وسط كل هذا الجحيم, كما لاحظت مجموعة من العمال يعبدون طريقا ترابية وبينهم فتيات يحملن أوعية تقطر سائلا "مغليا" ويعملن على إلقائه فوق الرمال. كان هذا أمرا مدهشا ويحدث فقط في سوريه . خجلت من خوفي، والفتيات السوريات يمارسن اعمالا "بالغة القسوة في أجواء المعركة ووسطها وهو أمر لا يكاد يصدق، وإنا ضابط ومقاتل, فانتزعت خوفي ومضيت في طريقي. في سوريه وحدها تزول الفوارق إلى حد بعيد بين الرجل والمرأة, وبين المسلم والمسيحي، والطوائف والمذاهب والأديان, ويسكن العرب الوجدان السوري. خضنا المعركة معا بعد أن التحقت القطعات بالجبهة, سوريين وسعوديين وكويتيين وفلسطينيين وعراقيين وأردنيين, واختلطت الدماء في أبهى مظاهر الوحدة العربية ذوداً عن دمشق وحلب وباقي التراب السوري, وعن شرف العرب. فقد كان المصير مشتركاً والعدو واحداً, صهيونيا, أميركيا, ورجعيا عربيا. كان ولا يزال وسيبقى. في 1 /1 /1974 , غادرنا سورية بعد نهاية المعركة بعد أن أودعنا دم الشهداء ذمة المجد , محملين بذكريات المعركة وصداقات وعلاقات رفاقية بالغة الروعة كل الى وطنه. وغادرت معهم بعد أن أمضيت ليلة رأس السنة مع قائد فصيل الصورايخ السوري الملازم المهندس إسماعيل شيخ خضور هو وجنوده في مغارة على الجبهة, كانت أمسية عربية أودعنا بعدها أشواق الوحدة وتوقنا لها, ودماء الشهداء وأحلامهم وآمالهم التراب السوري. |
No comments:
Post a Comment