قتل العلماء الإيرانيين
عبد الستار قاسم
16/كانون ثاني/2012
قتلت إسرائيل أربعة علماء إيرانيين خلال سنتين، ومن المحتمل أنها قامت بعمليات تخريبية عدة في إيران لم نسمع بها، أو سمعنا ببعضها بالتلميح لا بالتصريح. تنجح إسرائيل في اختراق الصفوف الإيرانية، وفي تجنيد العملاء والجواسيس، وتحقق إنجازات واضحة. وهذا نجاح نعرفه نحن العرب، ونعرف مدى مساهمته في تفوق إسرائيل وقدرتها على تحقيق الانتصارات المتكررة في مختلف الميادين بخاصة الأمنية والعسكرية.
ربما لا تقلب هذه الاغتيالات ميزان القوى، وربما لا تعرقل برامج إيران التقنية والنووية، لكنها ذات مفعول كبير جدا من الناحية المعنوية على كلا طرفي الصراع: إسرائيل وإيران. ترتفع معنويات الإسرائيليين مع كل إنجاز تحققه مخابراتهم ضد الأعداء، ويزدادون ثقة بحكوماتهم وأجهزتهم الأمنية وجيشهم، أما معنويات الإيرانيين فتصاب بضربة قوية، وتنخفض درجة الثقة بالمسؤولين والأجهزة الأمنية وإجراءاتها. يؤثر ارتفاع المعنويات إيجابيا على المستوى الأخلاقي للأمة أو الشعب، وترتفع معه درجة التعاون المتبادل بين الناس والعمل الجماعي، ويقفز مؤشر العلاقات القائم على الثقة المتبادلة بين الناس. وهذا إنجاز عظيم يؤدي إلى رفع مستويات الإنتاج والحرص على المصالح العامة، الخ. أما معنويات الإيرانيين ومن يتوسم فيهم الخير فتصاب بالإحباط والتدهور، ومعها يصاب المستوى الأخلاقي بأضرار فتنخفض مستويات العمل الجماعي والتعاون المتبادل، ويرتفع مؤشر العلاقات العامة القائمة على الشك والتوجس. خبرتنا نحن العرب زاخرة في هذا المجال، وواضح أن قدرة الأعداء على التلاعب بنا قد ساهمت بقوة في تدهور المعنويات وهبوط المستوى الأخلاقي، ومن ثم بالاستهتار بالمصلحة العامة ومستقبل الأمة والانتماء والولاء.
طالما تندرت الشعوب العربية على حكامها الذين كانوا يعلنون عقب كل ضربة يتم توجيهها للجيوش أو للمواقع العسكرية والاستراتيجية إنهم سيردون في الوقت والمكان المناسبين. تصريحات حكام العرب بقيت دائما عناوين للسخرية والاستهزاء، وعناوين لضعف الأمة وهوانها على الناس. فهل يمر الشعب الإيراني الآن بمثل هذه التجربة المقيتة؟
من المعروف أن قدرة إسرائيل ومختلف الدول الغربية على تجنيد عملاء وجواسيس كبيرة بسبب ضعف الفرد في محيطنا العربي والإسلامي. هناك أسباب كثيرة لهذا الضعف لا مجال للخوض بها الآن، لكن الواضح أن إسرائيل تستطيع تجنيد المئات خلال فترة وجيزة، ونحن لا نستطيع تجنيد عشرات خلال سنوات، هذا إن حاولنا. نحن العرب مرتاحون لكون الجواسيس من طرف واحد، ونرجو ألا يكون الإيرانيون أشباهنا. على كل حال، إذا كانت إيران لا تستطيع الرد بسبب ضعف قدرتها على تجنيد جواسيس يهود أو غير يهود يقتلون علماء إسرائيل، فإن لجوءها إلى التبرير وانتظار الوقت والزمان المناسبين ينعكس سلبا على إيران ومن أيدها أو والاها أو استبشر بها خيرا.
مهم على المستوى العالمي أن تقوم دولة باغتيالات وتدمير سرا، ولكن ماذا تفعل إن لم تكن قادرة على تنفيذ أعمال ضد أعدائها بالسر؟ هل تترك الطرف الآخر يضرب دون حساب أو ردع أو عقاب؟ للدول حسابات إذا كانت جادة في تحقيق إنجازات؛ وفي حال إيران، من المفروض أن توازن الحسابات بين تبعات العمل العلني ضد إسرائيل، وبين إحباط الشعب الإيراني نتيجة عدم الرد. إسرائيل ستستمر في مسلسل الاغتيالات في إيران، ولن تتوقف إلا إذا تم ردعها بالسر أو بالعلن، وإلا فإن إيران ستبقى هي الدولة الخاسرة أمنيا، وستبقى حكومتها مثار سخرية كما هي حكومات العرب.
No comments:
Post a Comment