Friday, 8 June 2012

{الفكر القومي العربي} بقلم مروان اسكندر / الأميركيون يُحاسِبون ولا يُحاسَبون



الأميركيون يُحاسِبون ولا يُحاسَبون

Annahar 08/06/2012
بقلم مروان اسكندر

التأثير الاميركي على الاقتصاد العالمي يفوق حجم الاقتصاد الاميركي ووزنه دولياً. فالاقتصاد الاميركي مقوماً بالدولار يشكل 22 في المئة من الاقتصاد العالمي، لكن الاميركيين يستهلكون نسبة 40 في المئة من الطاقة المستهلكة عالمياً، كما ان الدولار يحتل مساحة 65 في المئة من تمويل المبادلات التجارية الدولية.
لذا فان المواقف الاميركية، ولا سيما منها تلك المتعلقة بالقيود على التحويلات بالدولار، قد تتعارض مع الاتفاقات الدولية مثل اتفاقات تحرير التجارة بين الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية التي انطلقت اساساً بمبادرة اميركية، ومن ثم عدلت انظمتها لتتماشى مع اتجاهات تحرير الاسواق المالية والغاء القيود على التحويلات الرأسمالية بدءاً من اواسط الثمانينات.
التأثير الاميركي العابر للحدود والذي صار في السنوات الاخيرة بمثابة اداة شديدة الوقع لتأديب الخارجين على الارادة الاميركية، امر يستدعي المناقشة الى حد ما، خصوصا ان التوجهات الاميركية الخارجية تفترض ان يكون ثمة التزام لأهدافها داخل الولايات المتحدة. وهذا الامر غير متحقق كما سنبين من ملاحظتين اساسيتين ترتبط بهما حقوق عشرات آلاف المودعين والمستثمرين من الاميركيين ومواطني عدد كبير من البلدان.
قرأنا منذ فترة قريبة ان مكتب المحاماة الاميركي المكلف تحصيل اكبر قدر ممكن من اموال المودعين والمستثمرين مع برنارد مادوف، صاحب بيت التمويل، استطاع استقطاب ما يزيد على 60 مليار دولار من اموال مستثمرين افراد وحتى من مؤسسات تابعة لدول نفطية، وكان يدير اعماله على قاعدة معروفة للاحتيال تتمثل في استعمال اموال المستثمرين الجدد لتوفير مدفوعات فوائد وربما اصول استثمارات سابقة، وحين شحت الموارد الجديدة انهارت امبراطورية مادوف في نهاية عام الـ2008، وحكم عليه بالسجن المؤبد واقدم أحد ابنائه على الانتحار.
مكتب المحاماة الاميركي المكلف الحفاظ على البقية الباقية من حسابات مادوف لمصلحة الزبائن كان اقصى طموحه استرجاع 17 مليار دولار أي اكثر بقليل من 25 في المئة من مجموع الاموال الاصلية، واستنادا الى آخر المعلومات المتوافرة وبعد ثلاث سنوات من الجهود القانونية، كانت حصيلة التحصيل 333 مليون دولار في مقابل تكاليف لمكتب المحاماة بلغت 470 مليون دولار، ومسيرة السلحفاة هذه قد تفضي بعد 10 سنين الى تحصيل خمسة الى سبعة في المئة من اصل الاموال، هذا اذا تحصلت.
وحسابات مادوف بسيطة في مقابل حسابات مصرف "ليمان براذرز" الذي افلس في اكبر عملية افلاس مالي في القرن العشرين. فهذا المصرف الاميركي اعلن افلاسه اواخر شهر تشرين الثاني 2008 ولم يكن معروفا وممكنا تحديد التزاماته، لانه كان المصرف التجاري الاستثماري الاكبر عالمياً ومجموع ارقام ميزانيته يفوق تريليون دولار، ومن بعد ظهر ان حقوق المودعين في المصرف او المستثمرين في برامجه تزيد على 650 مليار دولار، أي ما يفوق التزامات مادوف 10 اضعاف وما يزيد خمسة اضعاف على مجمل الودائع لدى المصارف اللبنانية في مراكزها الرئيسية وفروعها الخارجية.
وقد اعلنت السلطات الاميركية تكراراً ان وسائل الضبط والمراجعة لم تكن متوافرة على المستوى المطلوب في تلك الفترة وطرحت مشاريع عدة لتحسين التيقن من حسن سير اعمال المصارف في الولايات المتحدة، وبعض المشاريع اقر وبعضها الآخر لا يزال في انتظار المناقشة، واذا بخسارة ملياري دولار في حسابات اكبر مصرف اميركي "ج. ب. مورغان" تطرح تساؤلا عن فاعلية الرقابة والانتظام في المصارف الاميركية؟ ومعلوم ان المصارف الاميركية عموماً لم تلتزم معايير وتوصيات بازل التي صارت بمثابة الكتاب للمصارف العاملة في لبنان استناداً الى تعاميم مصرف لبنان المتكاثرة في هذا الصدد.
لقد بات معلوما ان الاميركيين، انطلاقاً من رغبتهم في مكافحة تمويل الارهاب يعملون بكد وجهد على تضييق مجال عمل المصارف اللبنانية، حتى لو كان ذلك ضمن اطر قانونية صحيحة، مع المصارف السورية والايرانية. والاميركيون يطلبون من المصارف اللبنانية في نهاية 2013 الافصاح عن حسابات الاميركيين في لبنان، كما عن حسابات اللبنانيين المتأمركين. والافصاح يجب ان يتناول الحسابات المشتركة التي قد تكون بين لبناني اميركي متأمرك ولبنانية او لبناني غير متأمرك، وعلى رغم ذلك تصير هذه الحسابات مكشوفة. ومعلوم ان هنالك 40 الف لبناني يحملون الجنسية الاميركية مقيمين في لبنان، الامر الذي يعني وجوب توضيح حسابات هذا العدد من المودعين الذين كانت غالبيتهم ترى انها بمنأى عن تدخل السلطات اللبنانية في حساباتها كما أي سلطات اخرى.
ان التدخل حاصل والضغط مستمر وبتزايد وقد بات يتعين على اللبنانيين، والاوروبيين، والصينيين، واليابانيين مساءلة الاميركيين عن انظمتهم المقررة للحفاظ على حقوق المودعين والمستثمرين، وهل هي بالفعل مطبقة على نحو مقنع، وهل يمكن المستثمر او المودع في مصرف اميركي متوقف عن الدفع تحصيل حقوقه من دون تحمل تكاليف قانونية ربما تآكلت نصف الحقوق التي تتوافر له بعد سنوات.
ان التزام السلطات الاميركية والمصارف ومؤسسات التمويل الاميركية شروطا محافظة وواضحة لممارسة العمل وحفظ حقوق المودعين والمستثمرين امر اساسي لاستمرار الثقة بالدولار وموقعه في شبكة التعاملات الدولية. وهذا الالتزام المعنوي والقانوني لم تتوصل اليه ولم تطالب به دول تفوق لبنان مكانة واهمية بكثير. بل ان حتى الاوروبيين المنشغلين بمشاكلهم النقدية الواسعة النطاق والكبيرة التأثير في تأخير الانطلاق من الانكماش الذي تواجهه القارة الاوروبية، لم يتوجهوا بمطالب الى الاميركيين.
ولعل الصوت الاهم والذي يؤثر في ردة فعل السلطات الاميركية نسمعه من جوزف ستغليتز الحائز جائزة نوبل للاقتصاد، ومن بول كروغمان وهو ايضاً حائز هذه الجائزة، ومن بول فولكر - رئيس الاحتياط الفيديرالي سابقاً - المعروف بعلمه ونزاهته والذي قدم مشروعاً لمنع المصارف من الاقدام على المخاطرة باموال المودعين والمستثمرين، كما ضبط النفقات الادارية لكبار المديرين، ومشروعه هذا لا يزال قيد البحث ومعلقاً حتى الانتخابات الرئاسة. ان هؤلاء وغيرهم من امثالهم ذوو تأثير لرئيسي على السياسات الاميركية، فعسى ان يفلحوا.


No comments:

Post a Comment